أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، اليوم الأربعاء، عن تسجيل خمس حالات وفاة جديدة نتيجة المجاعة وسوء التغذية خلال الـ24 ساعة الماضية، ليرتفع العدد الإجمالي لضحايا الجوع إلى 193 شهيدًا، من بينهم 96 طفلًا، في كارثة إنسانية مستمرة تزداد تفاقمًا مع كل يوم جديد من الحصار، والإغلاق التام للمعابر، والتقاعس الدولي.
وأكدت الوزارة أن الوضع الصحي في القطاع وصل إلى مرحلة “الانهيار الكامل”، في ظل ندرة الغذاء والدواء، ونفاد الموارد الطبية في معظم المستشفيات، وانقطاع الكهرباء بشكل شبه دائم، ما يجعل تقديم الرعاية الصحية أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا للأطفال والمرضى المزمنين والنساء الحوامل.
84 شاحنة فقط.. في يوم يحتاج فيه القطاع إلى 600
وفي بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، أكد أن ما دخل إلى القطاع يوم أمس الثلاثاء لا يتجاوز 84 شاحنة إغاثة فقط، مشيرًا إلى أن غالبيتها تعرّضت للنهب والسطو نتيجة “حالة الفوضى الأمنية التي يرعاها الاحتلال الإسرائيلي ضمن استراتيجية ممنهجة تُعرف بـهندسة الفوضى والتجويع”.
وأوضح البيان أن “قطاع غزة يحتاج بشكل يومي إلى ما لا يقل عن 600 شاحنة مساعدات ووقود، لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية لأكثر من 2.4 مليون إنسان، يعيشون في ظل كارثة إنسانية مركّبة، تشمل الجوع، والنزوح، وانهيار البنية التحتية، وانعدام الخدمات الصحية والمياه النظيفة”.
وأضاف البيان أن الاحتلال يتعمد فرض حالة من “الانهيار المجتمعي” عبر منع المساعدات، والتمييز في توزيعها، والسماح بدخول شاحنات قليلة العدد في أوقات متقطعة وغير معلنة، ما يخلق حالة فوضى تمنع وصول الغذاء للمحتاجين، وتزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي والانقسام الداخلي.
جريمة إبادة جماعية بالتجويع
اتهم المكتب الإعلامي، في بيانه، سلطات الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جريمة “الإبادة الجماعية بالتجويع”، محمّلًا إسرائيل المسؤولية الكاملة عن استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، وعن كل وفاة تُسجل في المشافي نتيجة الجوع أو سوء التغذية.
كما حمّل المسؤولية لحلفاء إسرائيل، الذين يوفرون لها الغطاء السياسي والعسكري، ويحولون دون صدور قرارات أممية ملزمة بوقف العدوان ورفع الحصار.
وقال البيان: “نُدين بشدة استمرار جريمة التجويع الممنهج، والإغلاق الكامل للمعابر، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، ونؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي، وكل من يدعمه أو يصمت عنه، يتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن تفاقم هذه الكارثة.”
دعوات لتحرّك عربي ودولي عاجل
دعت الجهات الرسمية في غزة الدول العربية والإسلامية إلى التحرك الفوري لوقف هذه الجريمة الممتدة، التي تُرتكب على مرأى ومسمع العالم، دون رادع.
وطالب البيان بـ: فتح المعابر بشكل دائم ودون قيود إسرائيلية.
ضمان التدفق الكامل للمساعدات الغذائية والطبية، لا سيما حليب الأطفال، والأدوية المنقذة للحياة، والمستلزمات الطبية الطارئة.
محاسبة الاحتلال قانونيًا على جرائم الحرب التي يرتكبها بحق المدنيين الفلسطينيين، لا سيما جريمة التجويع.
الضغط على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لـ”تجاوز مرحلة البيانات والتحركات الشكلية”، والشروع في خطوات عملية لإنهاء الحصار الإسرائيلي.
أرقام صادمة.. و”نقطة في بحر الحاجة”
في تصريحات صحفية لمسؤول في وزارة التنمية الاجتماعية، قال إن ما يدخل من مساعدات لا يمثل حتى “1% من الحاجة الفعلية”، مؤكدًا أن هناك عشرات الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد لا يتلقون أي علاج حقيقي، بسبب انعدام الغذاء والدواء، وعدم وجود أجهزة أو كوادر طبية كافية.
وأوضح المسؤول أن المستشفيات في شمال القطاع لا تستقبل سوى “الحالات الحرجة جدًا”، فيما توقفت مراكز التغذية عن العمل كليًا في بعض المناطق، وسط تحذيرات من ارتفاع عدد الوفيات إلى أكثر من 250 خلال أيام قليلة إذا استمر الوضع الحالي دون تدخل.
العالم يصمت.. والمجاعة تتمدد
رغم التحذيرات المتكررة من منظمات دولية مثل أطباء بلا حدود والصليب الأحمر وبرنامج الغذاء العالمي، فإن المجتمع الدولي لا يزال يتعامل مع الكارثة في غزة كملف ثانوي.
ويخشى نشطاء حقوق الإنسان من أن يتحوّل الصمت الدولي إلى تواطؤ ضمني، في ظل استمرار عمليات قصف متفرقة، وتدمير البنى التحتية، ومنع الوقود والماء، وإغلاق المعابر بشكل شبه كلي.
شهداء المجاعة.. بلا صور ولا تغطية
في الوقت الذي لا يُسمح فيه بدخول الصحفيين الأجانب إلى غزة، تزداد صعوبة توثيق المجاعة بشكل مباشر. ويؤكد ناشطون في المجال الإنساني أن أكثر من نصف ضحايا الجوع من الأطفال، لكن لا توجد تغطية كافية لمعاناتهم، وسط حظر إعلامي متعمّد، واستهداف مستمر للمراكز الطبية ووسائل الإعلام.
وبين أرقام الضحايا اليومية، وصناديق المساعدات القليلة التي تدخل تحت الرصاص والنهب، يواصل الاحتلال شنّ حرب تجويع ممنهجة على سكان غزة. ورغم النداءات والتحذيرات، لا تزال المعابر مغلقة، والأطفال يموتون جوعًا، والعالم يراقب بصمت.
ما يحدث في غزة ليس كارثة طبيعية.. بل جريمة منظمة تقتضي تحركًا عاجلًا لوقفها ومحاسبة مرتكبيها.





