يترقب الشارع اللبناني والفلسطيني زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس المرتقبة إلى بيروت، المقررة يوم الأربعاء، والتي ستستمر ثلاثة أيام، حيث يركز جهوده على ملف حساس وهو نزع سلاح مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ووضعه تحت سلطة الدولة اللبنانية، في محاولة لكسر حالة الفوضى التي تعيشها هذه المخيمات منذ عقود.
وأكد مسؤولون من الجانبين أن لقاءات عباس مع كبار المسؤولين اللبنانيين، بمن فيهم الرئيس جوزيف عون، ستتناول تفاصيل خطة شاملة لفرض سلطة الدولة اللبنانية على جميع الأسلحة في المخيمات الفلسطينية المنتشرة في البلاد.
تأتي هذه الزيارة في سياق تحركات لبنانية تتجه نحو وضع حد لسيطرة الفصائل الفلسطينية المسلحة على المخيمات، والتي تفرض فيها جماعات متعددة نفوذها، من بينها حركة فتح التي يتزعمها عباس، وحركة حماس، وفصائل أخرى معارضة، ما أدى إلى غياب تام للسلطة الرسمية وازدهار أعمال العنف وانتشار السلاح.
وأشار سرحان سرحان، نائب أمين سر حركة فتح في لبنان، إلى أن زيارة عباس ستتطرق أيضاً إلى ملف توسيع حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لكنه نفى أن يكون هناك ربط بين الحقوق ونزع السلاح، وقال: “لقد أعددنا عدة ملفات تتعلق بحقوق اللاجئين لمناقشتها قبل زيارة الرئيس”.
لكن المهمة تبقى شاقة، إذ إن المخيمات الاثني عشر التي تضم مئات آلاف الفلسطينيين لا تزال خارج سيطرة الدولة اللبنانية، وهي تخضع بشكل فعلي لسلطة الفصائل التي تدير شؤونها العسكرية والأمنية، ما يجعل نزع السلاح أمراً صعب التنفيذ.
اللواء عباس إبراهيم، المدير المتقاعد للأمن العام اللبناني والمفاوض المخضرم، أكد أن عباس “سيبذل قصارى جهده” لتحقيق توافق سلمي، مشيراً إلى أن الحل الأمثل هو الحوار والتفاهم، لكنه لم يستبعد أن تكون القوة ملاذاً أخيراً في حال رفضت الفصائل تسليم السلاح.
وأضاف إبراهيم: “إن استخدام القوة سيضع الجيش اللبناني في موقف صعب، لكن من الأفضل أن تبدأ الحكومة حواراً مع الفلسطينيين، فلا خير في استخدام القوة”.
مصدر أمني لبناني أوضح أن عباس قد يعرض على الفصائل خطة تقوم على نزع السلاح مقابل توسيع حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، مثل تسهيل حصولهم على خدمات التعليم والرعاية الصحية، أو تخفيف القيود على عملهم، وهو ملف كان ولا يزال حساساً في لبنان.
المخيمات الفلسطينية، التي تُعد موطناً لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين هُجروا من ديارهم عام 1948، تعاني منذ سنوات من أوضاع معيشية صعبة بسبب غياب الجنسية اللبنانية عن الفلسطينيين، ما يحرمهم من الحقوق المدنية والاجتماعية الأساسية، إضافة إلى تفشي السلاح والأعمال العنيفة داخل هذه المخيمات، كما حدث مؤخراً في مخيم شاتيلا بالعاصمة بيروت.
وفي هذا السياق، أشار المصدر الأمني إلى أنه “وقع اشتباكات داخل شاتيلا يوم الاثنين الماضي، مما يؤكد صعوبة فرض سيطرة الدولة على المخيمات”، مضيفاً أن “الجيش اللبناني غير مسموح له بدخول المخيمات إلا بموافقة الفصائل”.
من جانبه، أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال زيارته إلى القاهرة مؤخراً عن عزمه الاستعانة بالخبرة العسكرية المصرية للمساعدة في تفكيك الفصائل المسلحة الفلسطينية، ووضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة بأسرع وقت ممكن، مؤكداً على ضرورة تحقيق ذلك عبر الوسائل الدبلوماسية.
وكان عون قد انتخب في يناير/كانون الثاني 2022، بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، ويبدو أن ملف نزع السلاح هو إحدى أولوياته للحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، خصوصاً مع تصاعد التوترات الإقليمية.
كما شهدت العلاقات اللبنانية الخليجية مؤخرًا تحسناً ملحوظاً، حيث رفعت الإمارات العربية المتحدة حظر السفر على مواطنيها إلى لبنان، مما يعكس احتمال ذوبان الجليد في العلاقات بعد فترة من التوتر، وهو ما قد يؤثر بشكل إيجابي على جهود لبنان لتثبيت الأمن.
يُذكر أن آخر زيارة للرئيس محمود عباس إلى لبنان كانت عام 2017، وتأتي هذه الزيارة الحالية في وقت يتزايد فيه الضغط على الفصائل الفلسطينية المسلحة من أجل الانصياع لسيادة الدولة اللبنانية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة عباس على تحقيق توافق شامل بين جميع الأطراف الفلسطينية على هذه الخطوة الحساسة.
تبقى القضية الفلسطينية في لبنان واحدة من أعقد الملفات الأمنية والاجتماعية التي تواجه الدولة، وتلك الزيارة تحمل آمالاً في تحقيق تقدم ملموس في سبيل وضع حد لعقود من الفوضى التي أثرت على الأمن اللبناني والاستقرار الفلسطيني داخل المخيمات.





