بينما تستمر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في حصد الأرواح وتدمير البنى التحتية، تتكشف جوانب أخرى من المأساة التي يعيشها السكان، لا سيما النساء الحوامل. فقد سجلت وزارة الصحة في غزة أكثر من 2500 حالة إجهاض ووفاة حديثي الولادة خلال النصف الأول من العام الحالي، في مؤشر خطير على تدهور الأوضاع الصحية والتغذوية في القطاع المحاصر.
حملٌ وسط الرماد والجوع
مريم أبو أدغيم، امرأة فلسطينية تبلغ من العمر 27 عامًا، كانت تحلم بأن تبدأ عائلتها خلال فترة وقف إطلاق النار في فبراير. “أردنا فقط طفلًا. ظننا أن القليل من الهدوء سيمنحنا فرصة للحياة”، تقول مريم بصوت مرتجف.
لكن سرعان ما انهار وقف إطلاق النار في مارس، لتعود المعابر للإغلاق وتنقطع المساعدات، ويشتد الحصار المفروض على القطاع. وفي ظل انعدام التغذية اللازمة، تدهورت حالة مريم الصحية بشكل سريع. “بدأت أعاني من انخفاض ضغط الدم ومضاعفات خطيرة. قال لي الطبيب إن الجنين في خطر”، تضيف.
بحلول يونيو، ومع بلوغ الجنين أربعة أشهر، فقدت مريم طفلها. “أخبروني أن الجنين مات في رحمي. أجهضت. لم أتمكن من حمل طفلي قط. سُلب مني حلمي”، تقول والدموع تملأ عينيها. “هذا حقي الإنساني، وقد حُرمت منه بسبب الحرب”.
أزمة إنجابية صامتة
الدكتور زهير الوحيدي، رئيس وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة، وصف الوضع بأنه “أزمة صامتة لكنها مدمرة”. وأوضح أن الحرب لا تستهدف فقط الأرواح، بل تُجهز على القدرة الإنجابية للمجتمع الفلسطيني.
وقال في تصريحات لصحيفة ذا ناشيونال: “سجلنا 17 ألف حالة ولادة، لكن في المقابل هناك 2500 حالة إجهاض ووفاة لحديثي الولادة خلال الأشهر الستة الأولى من العام. هذا رقم صادم”.
وألقى الوحيدي باللوم على سياسة الحصار المتعمدة من قبل إسرائيل، والتي تمنع الغذاء والدواء عن المدنيين، وخصوصًا النساء الحوامل اللواتي يحتجن إلى تغذية خاصة لضمان سلامة الحمل.
التغذية مفقودة والموت حاضر
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن واحدًا من كل خمسة أشخاص في غزة يعاني من الجوع الشديد، بينما تحذر وكالات الصحة الإنجابية من أن كل وجبة غذائية تفوتها المرأة الحامل تزيد من احتمال الإجهاض أو ولادة جنين ميت.
الدكتور فتحي الدحدوح، أخصائي توليد في مستشفى الحلو بمدينة غزة، أكد وجود ارتفاع ملحوظ في مضاعفات الحمل غير المسبوقة منذ عقود. وقال: “نواجه حالات حادة من فقر الدم، سوء التغذية، وانخفاض ضغط الدم. هذه كلها عوامل قاتلة في الحمل”.
ولم تقف المعاناة عند حد نقص الغذاء، فالدكتور الدحدوح حذر من أن الملوثات الناتجة عن القصف، من غبار وغازات سامة، تؤدي أيضًا إلى تفاقم الحالات الطبية للحوامل، مهددة حياتهن وحياة الأجنة.
أمومة تحت القصف
الضغط النفسي، القلق المزمن، والخوف الدائم من الموت، كلها عوامل تجعل من الحمل تجربة قاسية في غزة اليوم. “الحمل هنا لم يعد نعمة، بل معركة”، تقول مريم، التي ما زالت تحاول التكيف مع خسارتها.
ويختم الدكتور الوحيدي بمرارة: “هذه الحرب لا تقتل الناس فحسب، بل تستهدف الحياة قبل أن تبدأ. تقتل الأجنة، وتكسر قلوب الآباء، وتطمس الأمل من جذوره”.
في غزة، لا تُقاس الخسارة فقط بعدد القتلى، بل أيضًا بعدد من لم يُولدوا قط.





