في ظل تصاعد الضغوط الدولية لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه في مواجهة تحدٍ دبلوماسي متصاعد، تقوده هذه المرة فرنسا، إحدى أبرز القوى الغربية الداعمة تقليدياً لإسرائيل.
وتثير التحركات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نحو الاعتراف بدولة فلسطينية انزعاجاً واضحاً داخل الحكومة الإسرائيلية، في وقت تزداد فيه عزلة تل أبيب على الساحة الدولية.
يقول ألون بينكاس، الدبلوماسي الإسرائيلي السابق والمستشار لعدة وزراء خارجية، إن نتنياهو “يشعر بعدم الاستقرار لأنه يدرك أن دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب هش ومتردد”، في إشارة إلى إمكانية تراجع الحليف الأهم عن موقفه التقليدي الداعم لإسرائيل في أي لحظة.
وأضاف بينكاس في حديثه لموقع ميدل إيست آي أن الأوروبيين “يبحثون عن تحرك سياسي مشترك مع واشنطن لتخفيف التوترات، وقد يكون الاعتراف بفلسطين أحد هذه الأوراق”.
فرنسا، التي لم تعترف حتى الآن رسمياً بدولة فلسطين – شأنها شأن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا – تقود الآن جهوداً أوروبية جديدة لدفع هذا الملف قدماً.
وتأمل باريس، وفق دبلوماسيين غربيين، في استغلال مؤتمر أممي تستضيفه بالتعاون مع السعودية في نيويورك لاحقاً هذا الشهر، لدفع عدة دول للاعتراف بالدولة الفلسطينية، بما في ذلك بلجيكا وهولندا وربما المملكة المتحدة.
وتراهن باريس على أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية قد يكون مدخلاً لإحياء حل الدولتين، الذي تدعمه فرنسا رسمياً، و”تحريك عملية السلام” التي وصلت إلى طريق مسدود، كما صرّح ماكرون مؤخراً خلال قمة حوار شانغريلا في سنغافورة.
وقال الرئيس الفرنسي: “الحصار الإنساني يخلق وضعاً لا يمكن تحمله على الأرض”، مشيراً إلى أن بلاده قد تضطر إلى “تشديد موقفها الجماعي” في حال عدم حدوث استجابة إسرائيلية سريعة للوضع الإنساني في غزة، ملمّحاً إلى احتمال فرض عقوبات على المستوطنين.
رد الفعل الإسرائيلي جاء سريعاً ومتحفظاً، إذ اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن الحديث عن حصار إنساني “كذبة صارخة”، مشيرة إلى دخول 900 شاحنة مساعدات إلى غزة خلال الأسبوع الماضي. وقالت الخارجية في بيان: “بدلاً من الضغط على الإرهابيين الجهاديين، يريد ماكرون مكافأتهم بدولة فلسطينية”.
لكن على أرض الواقع، تبرز تقارير منظمات إنسانية مثل “الإغاثة الإسلامية” حجم الكارثة في غزة، حيث قُتل مدنيون في مواقع توزيع مساعدات تديرها الولايات المتحدة وإسرائيل، وتوفي العشرات بسبب الجوع والمرض بعد أكثر من 11 أسبوعاً من الحصار المشدد. وأدانت المنظمة النظام الجديد لتوزيع المساعدات، واعتبرته وسيلة لـ”تجويع الفلسطينيين ومعاقبتهم جماعياً”.
داخل إسرائيل، لا يجد خيار الدولة الفلسطينية دعماً يُذكر سواء على المستوى الشعبي أو السياسي. ومع ذلك، يرى بينكاس أن ضغط المجتمع الدولي – وخصوصاً الأوروبيين – قد يمثل وسيلة لإيصال رسالة حاسمة مفادها: “نحن أصدقاؤكم ونريد نجاحكم، لكن هذا المسار كارثي ولا يمكن أن يستمر”.
وما يعزز مخاوف نتنياهو هو أن الاعتراف الأوروبي المتزايد بفلسطين لم يعد محصوراً في الدول الهامشية من وجهة نظر تل أبيب. ففي العام الماضي فقط، انضمت إسبانيا والنرويج وأيرلندا إلى الدول التي أعلنت اعترافها الرسمي بالدولة الفلسطينية، ما يعكس تحوّلاً تدريجياً في المواقف الغربية التي كانت حتى وقت قريب تُراعي الاعتبارات الإسرائيلية بصورة مطلقة.
ولعل أكثر ما يقلق رئيس الوزراء الإسرائيلي هو أن الحلفاء التقليديين، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، بدأوا في تغيير خطابهم تجاه سياسات إسرائيل، حتى وإن كانوا لم يغيروا بعد سياساتهم الفعلية أو علاقاتهم الأمنية والعسكرية.
وبينما تواصل باريس تزويد إسرائيل بالسلاح أو غض الطرف عن انتهاكاتها في غزة، فإن تحول الخطاب نحو تحميلها مسؤولية الكارثة الإنسانية الراهنة يضعف شرعيتها الدولية.
ويبدو أن ماكرون يحتفظ بعلاقة مرنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو ما قد يسمح له بلعب دور الوسيط لتمرير خطة الاعتراف بفلسطين بطريقة لا تستفز واشنطن.
وبحسب بينكاس، فإن “كسب ود ترامب” قد يتم عبر إيهامه بأن هذه الخطوة جاءت بمبادرته، وهو تكتيك سبق أن استخدمه الأوروبيون في ملفات أخرى.
في المحصلة، يجد نتنياهو نفسه محاطاً بجبهات ضاغطة من كل الاتجاهات: غضب داخلي من طول أمد الحرب، عزلة أوروبية متزايدة، ضغوط إنسانية وإعلامية متصاعدة، وتردّد أميركي قد يطيح بالدعم المطلق الذي كان يعوّل عليه.
أما رهان فرنسا على الاعتراف بفلسطين، وإن لم يتحقق بشكل فوري، فإنه يعكس تحوّلاً بنيوياً في المشهد السياسي الدولي بعد 7 أكتوبر، حيث لم يعد الصمت عن انتهاكات إسرائيل مجانياً كما كان.





