رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على وقف إطلاق النار الهش المعلن في 11 أكتوبر/تشرين الأول، ما زال قطاع غزة يعاني من أزمة مياه خانقة تهدد أكثر من مليوني إنسان، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ عامين، والحصار المفروض الذي يعيق جهود الإصلاح والإغاثة.
ويقول حسني مهنا، المتحدث باسم بلدية غزة، إن الكميات التي تصل إلى السكان لا تتجاوز 15 في المائة من الاحتياجات اليومية الفعلية، أي نحو 100 ألف متر مكعب فقط من المياه، مشيراً إلى أن “الوضع كارثي، والبلديات تعمل بأقل من عُشر طاقتها”.
وخلال الحرب التي وُصفت بالأعنف في تاريخ القطاع، استهدفت إسرائيل بشكل ممنهج شبكات المياه ومحطات التحلية وخطوط الضخ.
فمن بين 88 بئرًا كانت تغذي القطاع قبل الحرب، لم يتبق سوى 17 بئرًا عاملة، بينما توقفت محطة تحلية المياه المركزية عن العمل بالكامل بسبب انقطاع الوقود ونقص قطع الغيار.
ويعتمد القطاع حالياً على مياه شركة ميكوروت الإسرائيلية، التي تزود غزة بكميات محدودة ومتقطعة لا تتجاوز 15 ألف متر مكعب يومياً. هذه الكميات، وفق مهنا، “لا تكفي حتى للاستخدامات المنزلية الأساسية، ناهيك عن المؤسسات الصحية والمدارس”.
وحتى قبل الحرب، كانت الأزمة مزمنة. ففي عام 2020، قدّرت منظمة اليونيسف أن 10 في المائة فقط من سكان غزة لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى مياه شرب آمنة، بينما يعتمد نصف السكان تقريباً على شاحنات نقل المياه الخاصة، التي تبيع المياه بأسعار باهظة مقارنة بمتوسط الدخل في القطاع المحاصر منذ عام 2007.
حصار المياه… سياسة عقاب جماعي
في الأيام الأولى للحرب عام 2023، أعلن وزير الجيش الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت — المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية — أنه “لن يُسمح بإدخال أي كهرباء أو طعام أو ماء أو وقود إلى غزة”.
ذلك القرار شكّل نقطة تحول في الأزمة، إذ ترافق مع قصف متعمّد لمحطات المياه والآبار وخزانات التحلية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في أنظمة الإمداد.
وقال مهنا إن “إسرائيل لم تكتف بقطع الإمدادات، بل استهدفت كل ما يتيح للبلديات إصلاح الشبكات”. وأضاف أن نقص الوقود يمنع تشغيل المضخات والمولدات، مما يؤدي إلى انقطاع المياه عن أحياء بأكملها لأيام متتالية.
في بعض المناطق، خصوصاً في مخيم النصيرات وسط القطاع، أصبح مشهد الأطفال وهم يحملون زجاجات المياه الضخمة أو يملؤونها من صهاريج متنقلة، رمزاً جديداً لمعاناة غزة اليومية.
النفايات والتلوث يزيدان الأزمة
تتفاقم الأزمة المائية بسبب تراكم أكثر من 260 ألف طن من النفايات الصلبة، بحسب بلدية غزة، ما يهدد بتلوث مصادر المياه الجوفية.
ويقول مهنا إن البلدية أزالت حتى الآن نحو 50 ألف طن من الركام فقط، بينما ما يزال أكثر من 20 مليون طن من الأنقاض تنتظر الإزالة، في ظل غياب المعدات الثقيلة والوقود.
ويضيف أن البلدية فقدت 134 مركبة تشغيلية بينها جرافات ومضخات ومركبات نظافة، وهي خسارة “تعطل أي جهد لإعادة الخدمات الحيوية”.
وطالب بضرورة توفير دعم عاجل من المنظمات الدولية لإرسال مولدات، مضخات، شاحنات ضاغطة وجرافات إلى القطاع.
تحذيرات أممية من كارثة بيئية
تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) الصادر في سبتمبر/أيلول الماضي قدّر أن 250 ألف مبنى تضرر أو دُمّر في غزة، مما أنتج أكثر من 61 مليون طن من الحطام، بينها مواد خطرة تحتوي على الأسبستوس والمعادن الثقيلة.
وقالت إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية للبرنامج، إن استمرار الوضع الراهن “سيترك إرثاً من الدمار البيئي سيؤثر على صحة أجيال من سكان غزة”.
كما حذّرت من أن تلوث المياه قد يؤدي إلى تفشي الأمراض المنقولة مائياً، مثل الكوليرا والتيفوئيد، خصوصاً في ظل غياب خدمات الصرف الصحي الكافية وتعطل محطات المعالجة.
وإلى جانب الحصار ومنع دخول الوقود، ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي بدأ منذ أسابيع إلقاء كميات من مخلفات البناء داخل قطاع غزة.
وأظهرت صور حصلت عليها الصحيفة شاحنات إسرائيلية تفرغ الأنقاض في شوارع القطاع، مما يزيد من مخاطر التلوث ويعيق جهود إعادة الإعمار.
أزمة مستمرة رغم الهدنة
على الرغم من الإعلان عن وقف إطلاق النار، لا تزال القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول الوقود ومواد الصيانة قائمة، ما يجعل تعافي نظام المياه شبه مستحيل.
وقال مهنا إن “الحديث عن الهدنة لا يعني شيئاً بالنسبة لنا ما دام الماء مفقوداً”، مؤكداً أن “أكثر من مليوني إنسان يواجهون العطش اليومي في صمت”.
وبينما تواصل المنظمات الدولية التحذير من كارثة إنسانية وبيئية قادمة، يبقى شبح الجفاف والتلوث الخطر الأكبر الذي يهدد حياة سكان غزة بعد عامين من الحرب والدمار والحصار.





