تسود أوساط المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حالة من القلق المتصاعد إزاء ما تصفه بـ”تمدد النفوذ القطري” في دول الجوار المباشر لإسرائيل، بعد ورود تقارير استخبارية عن دور مالي مباشر للدوحة في تمويل رواتب الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، فضلًا عن محادثات متقدمة لتمويل الجيش اللبناني.
وبحسب مصادر أمنية إسرائيلية تحدثت إلى وسائل إعلام عبرية، فإن قطر تُمول جزءًا من رواتب موظفي حكومة الشرع، التي شُكلت في مناطق ما بعد التسوية في جنوب سوريا، كما تجري محادثات “غير علنية” مع مسؤولين لبنانيين لتقديم دعم مالي مخصص للجيش اللبناني، تحت بند “تعزيز الاستقرار الأمني في ظل الأزمة الاقتصادية”.
التمويل بوصفه ذراع نفوذ
ترى تل أبيب أن هذه التحركات لا تقتصر على أهداف إنسانية أو اقتصادية، بل تتجاوز ذلك نحو تأسيس موطئ قدم سياسي وأمني لقطر على حدود إسرائيل الشمالية والشرقية، على غرار ما فعلته الدوحة في قطاع غزة على مدار سنوات عبر تمويل المشاريع المدنية وصرف رواتب موظفي حركة حماس.
ويحذر مسؤولون أمنيون إسرائيليون من أن “الدعم القطري، حتى لو ظهر في صورة مساعدات أو رواتب، ينتهي دومًا بتعزيز الكيانات المعادية لإسرائيل”، مستشهدين بتجربة غزة حيث تحولت المساعدات القطرية إلى أحد مصادر القوة الناعمة لحماس، وساهمت في ترسيخ سلطتها.
قطر تتحرك في الفراغ الإقليمي
وتأتي التحركات القطرية في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد الساحتان اللبنانية والسورية فراغًا سياسيًا وماليًا بسبب تراجع التمويل الخليجي التقليدي، خاصة من السعودية والإمارات، وسط أزمة اقتصادية خانقة تعصف ببيروت ودمشق على حد سواء.
وتعتمد قطر في تحركاتها على مبدأ “الدبلوماسية المالية”، حيث توظف أدواتها الاقتصادية لتوسيع دائرة الحلفاء السياسيين. ويقول مصدر أمني إسرائيلي إن “الدوحة تعرف أن الطريق إلى التأثير السياسي يمر عبر دفع الرواتب وتحريك عجلة المؤسسات المنهكة”.
في لبنان، يُنظر إلى المحادثات مع الجيش بوصفها محاولة لإعادة صياغة موقع المؤسسة العسكرية في المعادلة الإقليمية، وسط تراجع الدعم الأميركي المباشر، وتعقيد العلاقة بين الجيش وحزب الله.
أما في سوريا، فإن تقديم الدعم لحكومة الشرع ــ التي تشكلت بدعم روسي وإيراني بعد تفاهمات جزئية مع النظام ــ يُفسَّر كخطوة قطرية للعودة إلى دمشق من بوابة الجنوب السوري، المنطقة الأكثر قربًا من حدود الجولان المحتل.
مقارنة بحماس: تحذير من تكرار “السيناريو الغزي”
ترى إسرائيل أن التجربة السابقة مع حماس تمثل “درسًا يجب عدم تجاهله”، إذ سمحت تل أبيب لسنوات بتمرير الدعم القطري إلى قطاع غزة بوساطة الأمم المتحدة، بهدف تخفيف الضغط الإنساني، لكنها وجدت نفسها لاحقًا في موقف اتهمها فيه خصومها بأنها سمحت بترسيخ سلطة حركة تصفها بـ”الإرهابية”.
وفي ضوء ذلك، فإن التحركات القطرية في سوريا ولبنان تُقابل هذه المرة بتحفظ أكبر داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وبدعوات لممارسة ضغوط على واشنطن والعواصم الأوروبية لاحتواء الدور القطري ومنع تحوله إلى تأثير استراتيجي دائم.
سياسة ناعمة بلا ضجيج
تُعرف الدوحة باستخدام أدوات سياسية ناعمة لمدّ نفوذها، من خلال الاستثمار في القطاعات الإنسانية والتعليمية والصحية، وهو ما يجعل تحركاتها أقل استفزازًا مقارنة بالنفوذ الإيراني المباشر. لكن في إسرائيل، ثمة قناعة بأن “الغطاء المدني لا يُخفي الجوهر السياسي”، وأن قطر، بحكم علاقاتها الواسعة مع قوى مختلفة في المنطقة، تسعى إلى حجز موقع دائم لها في المعادلة الإقليمية الجديدة بعد 7 أكتوبر.
موقف غربي ملتبس
رغم القلق الإسرائيلي، لم يصدر حتى الآن موقف غربي رسمي يعارض التحركات القطرية في لبنان أو سوريا. ويرى مراقبون أن واشنطن ترى في الدور القطري “شرًا ضروريًا” يمكن استخدامه كقناة تواصل غير مباشرة مع قوى محلية يصعب التواصل معها، كما هو الحال في غزة سابقًا.
لكن تل أبيب تعتبر أن “السكوت الغربي” يغذّي طموحات الدوحة، وأن تقليص هذا النفوذ لا يمر فقط عبر الإعلام أو البيانات، بل عبر سياسات ميدانية تعيد ترتيب ميزان القوى في الشمال.
ويتجاوز القلق الإسرائيلي من الدعم القطري بعده المالي المباشر، ليصل إلى خشية من إعادة تشكيل خرائط النفوذ على حدود إسرائيل مع سوريا ولبنان. وتخشى تل أبيب من أن تتكرر “تجربة غزة” في الشمال، حيث يتحول المال إلى سلطة، والمساعدات إلى نفوذ، والحياد الظاهري إلى انحياز استراتيجي.
وفي انتظار خطوات أكثر وضوحًا من واشنطن والعواصم الأوروبية، يبدو أن قطر تمضي بثقة نحو تعميق دورها الإقليمي، ولو على حساب قلق تل أبيب.





