بين وعود إسرائيل بـ”مساعدات إنسانية سخية” وصورة الواقع على الأرض، تتكشف مأساة إنسانية مركبة يعيشها عشرات آلاف الفلسطينيين الذين نزحوا من مدينة غزة إلى الجنوب.
الجوع والعطش، وحرارة الشمس اللاهبة، وانعدام المأوى والخدمات الأساسية، رسمت ملامح معاناة بلا نهاية في مخيمات مؤقتة بالكاد تصلح للعيش.
ومنذ إعلان إسرائيل أن مدينة غزة “منطقة قتال خطرة” ودعوتها السكان إلى التوجه جنوبًا، خرجت آلاف الأسر مكرهة. ألقت الطائرات الإسرائيلية منشورات تأمر المدنيين بمغادرة بيوتهم، فيما كان القصف المستمر يترك أمامهم خيارًا واحدًا: الهروب.
يصف محمد غبون (38 عامًا) رحلته من حي الشيخ رضوان إلى دير البلح قائلًا: “إذا كان الشخص وحيدًا، فقد يتدبر أمره بطريقة ما، لكن عندما يكون لديك عائلة وأطفال، يكون العبء أثقل بكثير.”
خمسة أيام كاملة قضاها مع أسرته في العراء قبل أن يتمكن من بناء خيمة هشة من القماش والخشب على ساحل غزة.
ورغم ذلك، لم يطرق أحد بابه ليتفقد أحواله. يختصر غبون معاناته بكلمات صارخة: “لا طعام، لا شراب، لا ماء.”
حياة لا تُحتمل
إبراهيم أبو وردة (56 عامًا) نزح مع 21 فردًا من عائلته، بين أطفال وزوجات وأحفاد، إلى منطقة المواصي. هناك، وجدوا أنفسهم محشورين في خيمة صغيرة لا تكفي نصف عددهم.
قال: “أنفقنا كل ما لدينا على نقل أمتعتنا وشراء خيمة. الآن، لا نجد حتى الطعام. منذ بداية الحرب، كنا أمواتًا لا أحياء.”
عاد أفراد العائلة لفترة قصيرة إلى منزلهم خلال الهدنة، لكن تجدد القصف أجبرهم على النزوح مجددًا. هذه المرة، كانت المأساة أشد وقعًا: مياه شحيحة، مساعدات تُسرق قبل أن تصل، وحياة بلا أفق.
معاناة النساء والأطفال
نسرين الأيوبي (34 عامًا)، أم لأربعة أطفال من حي الصبرة، قاومت مغادرة منزلها أسابيع طويلة خوفًا من ذل الحياة في المخيمات. لكن حين اشتد القصف على حيّها، لم تجد مفرًا من النزوح.
اليوم، تجد نفسها على أرض أقاربها في دير البلح، داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. تقول: “لا ماء صالح، لا طعام، لا حمامات، لا شيء يحفظ كرامة الإنسان. الظروف أقسى من أن يصفها إنسان.”
وتتابع: “منذ تسعة أيام لم يستحم أطفالي. لا ماء للنظافة، ولا لوازم صحية. نسمع عن المساعدات، لكننا لا نراها أبدًا.”
الحرارة الخانقة، والهواء المحمّل بالغبار، والازدحام داخل الخيم، جعلت من الحياة اليومية سلسلة متواصلة من الإهانات والمعاناة.
التناقض بين الوعود والواقع
في بياناتها العسكرية، أكدت إسرائيل أن كل عائلة تنتقل إلى الجنوب “ستحصل على أكبر قدر من المساعدات الإنسانية”. لكن شهادات النازحين تكشف الفجوة الهائلة بين الرواية الرسمية والواقع:
المساعدات لا تصل، أو يتم الاستيلاء عليها قبل توزيعها.
المياه نادرة، والناس يقطعون كيلومترات للحصول على بضع لترات.
الخيام لا تكفي لحماية الأطفال من الحر أو الغبار.
هذا التناقض يثير مخاوف عميقة من أن الدعوة إلى “النزوح المؤقت” ليست إلا غطاءً لسياسة تهجير طويلة الأمد، كما يقول كثير من الفلسطينيين.
مأساة إنسانية بلا نهاية واضحة
تحولت المخيمات المؤقتة في الجنوب إلى مشاهد للبؤس الإنساني: وجوه شاحبة، أطفال حفاة يبكون من العطش، نساء يقطعن مسافات طويلة بحثًا عن جرعة ماء أو رغيف خبز.
ومع كل يوم يمر، يتراجع الأمل في العودة القريبة إلى البيوت المدمرة.
محمد غبون يلخص حاله وحال آلاف غيره: “لولا الخطر المحدق بمنطقتنا، لعدت. لكن إن أصاب أطفالي مكروه، فلن أسامح نفسي، ولا من أوصلونا إلى هذه الحال.”





