تمثل الخطوة الإسرائيلية الأخيرة بسحب الصلاحيات البلدية والتخطيطية المتعلقة بالمسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل من الفلسطينيين تطورًا خطيرًا يهدد بتقويض الإدارة الإسلامية للموقع، ويفتح الباب أمام تغيير جوهري في الوضع القائم لمكان يُعد من أكثر المواقع الدينية حساسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية، وهي جهاز عسكري يتبع لجيش الاحتلال ويشرف على الشؤون المدنية في الضفة الغربية، نقل صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل الخاضعة للسلطة الفلسطينية إلى ما يسمى «مجلس التخطيط الأعلى» التابع لها.
وجاء القرار متزامنًا مع منح إذن ببناء سقف فوق الفناء الداخلي للمسجد الإبراهيمي، رغم الرفض الفلسطيني الواسع، ما اعتُبر مؤشرًا عمليًا على نية فرض وقائع جديدة بالقوة الإدارية والعسكرية.
ووصفت بلدية الخليل القرار بأنه «انتهاك خطير وغير قانوني»، مؤكدة أنه يشكل مساسًا مباشرًا بالوضع التاريخي والقانوني للمسجد الإبراهيمي، وبصلاحيات المؤسسات الفلسطينية المكلفة بإدارته منذ عقود.
وأكدت البلدية أن إسرائيل تستخدم أدوات التخطيط كوسيلة سياسية لتجريد الفلسطينيين من حقوقهم، وتحويل الصلاحيات إلى سلطات الاحتلال بما يخالف القانون الدولي والاتفاقيات القائمة.
وتكمن خطورة هذه الخطوة في أنها لا تقتصر على إجراء إداري تقني، بل تحمل أبعادًا سياسية ودينية عميقة. فالتخطيط والبناء في المواقع الدينية الحساسة ليس مسألة هندسية فحسب، بل أداة سيطرة تحدد من يدير المكان، ومن يقرر مستقبله، وكيف تُعاد صياغة هويته.
وبسحب هذه الصلاحيات، تصبح الإدارة المدنية الإسرائيلية صاحبة القرار النهائي في أي تعديل أو توسعة أو تغيير داخل المسجد ومحيطه.
وتحذر أطراف فلسطينية من أن القرار يمهّد لنقل إدارة المسجد الإبراهيمي تدريجيًا إلى جهات إسرائيلية أو استيطانية.
وتداولت وسائل إعلام إسرائيلية في وقت سابق تقارير عن خطط لتسليم إدارة الموقع إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع المقامة على أراضي الخليل، في خطوة من شأنها إنهاء أي دور فعلي للوقف الإسلامي وبلدية الخليل.
ويعد المسجد الإبراهيمي رمزا للوجود الفلسطيني في الخليل، المدينة التي تعاني أصلًا من واحدة من أشد صور الاستيطان العسكري داخل النسيج الحضري الفلسطيني.
وبعد مجزرة عام 1994 التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين بحق المصلين المسلمين، فُرض تقسيم قسري للمكان بموجب اتفاقية 1997، ما فتح الباب أمام توغلات المستوطنين وتشديد القيود على الفلسطينيين.
وبموجب هذا الترتيب، تولى الوقف الإسلامي وبلدية الخليل إدارة المسجد والإشراف على شؤونه، بما في ذلك أعمال الترميم والبناء. غير أن سحب هذه الصلاحيات اليوم يعني عمليًا تقويض ما تبقى من هذا الترتيب، وتحويل السيطرة الإسرائيلية الجزئية إلى هيمنة شبه كاملة.
وتتضاعف المخاوف في ظل سياق أوسع من الانتهاكات المتزايدة منذ اندلاع الحرب على غزة في عام 2023. فقد شهد المسجد الإبراهيمي قيودًا مشددة على الأذان، وإغلاقات متكررة أمام المصلين المسلمين، وتوغلات للمستوطنين، ومصادرة لمفاتيح الغرف والساحات، إضافة إلى مضايقات يومية للسكان الفلسطينيين المحيطين بالموقع، ومنع موظفي البلدية من الوصول إليه.
كما تشير بلدية الخليل إلى أن هذه الإجراءات تنتهك قرارات اليونسكو التي صنّفت المسجد الإبراهيمي والمدينة القديمة في الخليل كموقع تراث عالمي مهدد بالخطر، ما يفرض على قوة الاحتلال التزامًا خاصًا بالحفاظ على الطابع التاريخي والديني للمكان.
في المحصلة، لا يُنظر إلى سلب صلاحيات التخطيط الفلسطينية في المسجد الإبراهيمي كخطوة معزولة، بل كحلقة ضمن سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل هوية الخليل، وتعزيز السيطرة الاستيطانية على أحد أكثر المواقع الدينية حساسية. وهو مسار ينذر بتفجير توترات دينية وسياسية، ويهدد ما تبقى من الترتيبات الهشة التي حكمت إدارة الموقع منذ عقود.





