على مدار العقدين الماضيين، تحوّلت إيران إلى ما يشبه ملعب مفتوح ومسرح عمليات شبه دائم لجهاز “الموساد” الإسرائيلي، لكن التطورات الأخيرة كشفت حجم هذا الاختراق غير المسبوق، والذي بلغ حد تنفيذ هجمات من الداخل الإيراني نفسه، في ما وصفه محللون بأنه انقلاب استخباري كامل على أحد أكثر الأنظمة الأمنية انغلاقاً في المنطقة.
فقبل أن تبدأ إسرائيل ضرباتها الواسعة على المنشآت النووية الإيرانية وقادة الحرس الثوري فجر الجمعة، كانت وحدات “الموساد” قد سبقتها بعمليات على الأرض، تشمل تهريب أسلحة متطورة إلى داخل إيران وإنشاء قواعد محلية لإطلاق طائرات مسيرة انتحارية.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين، تم استخدام هذه الطائرات لاستهداف منصات إطلاق صواريخ قرب العاصمة طهران، بينما استُخدمت أسلحة دقيقة لضرب أنظمة الدفاع الجوي، ما سهّل مرور أكثر من 200 طائرة إسرائيلية نفذت نحو 100 ضربة دون خسائر تُذكر في الموجة الأولى.
وتشير هذه الوقائع إلى تنسيق دقيق بين وحدات الموساد وسلاح الجو، واعتماد كبير على المعلومات الاستخبارية التي جُمعت مسبقاً من الداخل الإيراني، شملت مواقع حساسة وقادة عسكريين كبار.
قواعد تشغيلية على الأراضي الإيرانية
لعلّ الأهم في ما تسرب من تفاصيل، هو أن “الموساد” لم يكن يتحرك من الخارج فقط، بل من داخل العمق الإيراني. فقد أنشأ الجهاز قواعد مؤقتة لإطلاق طائرات بدون طيار ومواقع تخزين للأسلحة قرب أهداف استراتيجية، وتم تفعيلها بالتزامن مع بدء الغارات الجوية.
كما نفذت وحدات الكوماندوز التابعة له عمليات في قلب طهران ومناطق متفرقة من البلاد، دون أن تتمكن أجهزة الأمن الإيرانية من رصد تحركاتهم في الوقت الفعلي، وفق ما ذكرته مصادر إسرائيلية.
وهذا التغلغل ليس وليد اللحظة. فمنذ عام 2007، اتُّهمت إسرائيل باغتيال عدد من علماء إيران النوويين بطرق مختلفة، منها التفجيرات الموجهة عن بعد والأسلحة المثبتة على دراجات نارية أو مركبات، وغالباً ما وقعت هذه العمليات في قلب العاصمة طهران.
من أبرز هذه الاغتيالات كانت تصفية العالم النووي محسن فخري زاده في نوفمبر 2020، باستخدام رشاش يتم التحكم به عن بُعد، وهي عملية وُصفت بالدقيقة والمعقدة، عكست اختراقاً واسعاً لبنية النظام الأمني الإيراني.
الموساد يُعلن عن وجوده بلا مواربة
ما يلفت الانتباه مؤخراً هو أن الموساد لم يعد يتوارى عن إعلان دوره، بل بدأ ينشر مقاطع فيديو لعملياته، بما في ذلك هجمات الطائرات المسيرة التي تُظهر تفجيرات دقيقة لمنصات صاروخية.
هذا السلوك يهدف فيما يبدو إلى بث رسالة مزدوجة: أولاً إلى إيران بأن أجهزتها الأمنية مكشوفة، وثانياً إلى الداخل الإسرائيلي والرأي العام العالمي عن مدى جاهزية وقدرة الدولة العبرية على التصدي لخصومها بعيداً عن حدودها.
وقد عبّرت الباحثة هولي داجريس، الزميلة في معهد واشنطن، عن هذا المعنى بقولها إن “الموساد يتعامل مع إيران وكأنها ملعبه الخاص منذ سنوات”، معتبرة أن إسرائيل حسمت معركة “الحرب الاستخبارية” لصالحها بشكل علني.
العملية التي فجّرت الاتفاق النووي
لم تقتصر عمليات الموساد على الاغتيالات والتخريب، بل امتدت إلى سرقة الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران عام 2018، وهو ما استعرضه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو في بث مباشر من القدس، قائلاً إن الأرشيف يحتوي على 55 ألف وثيقة سرية حول البرنامج النووي.
هذا الاختراق لعب دوراً حاسماً في قرار إدارة ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”، ما أعاد إيران إلى دائرة العقوبات وأشعل فتيل التوتر الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم.
بيئة مواتية للاختراق
يرى مسؤولون سابقون في الموساد، مثل رام بن براك، أن نجاح الجهاز يعود إلى سببين: الأول أن النظام الإيراني مكروه من قطاع واسع من شعبه، ما يسهّل التجنيد والتعاون، والثاني هو الكفاءة العالية والبنية المتقدمة لوحدات الاستخبارات الإسرائيلية.
هذا يعني أن الاختراق لا يقوم فقط على التكنولوجيا والتخطيط العسكري، بل على عوامل اجتماعية وسياسية تستفيد منها إسرائيل في تجنيد عملاء وتوسيع شبكة استخباراتها داخل إيران.
والتحرك الإسرائيلي الأخير جاء على خلفية الحرب في غزة، لكنه اتخذ منحىً استراتيجياً أبعد من الرد على الصواريخ. فقد اغتالت إسرائيل القيادي في حماس إسماعيل هنية داخل طهران، عبر تفجير عبوة ناسفة زُرعت قبل شهرين في مقر إقامته المؤقت.
هذه العملية ترسل رسالة بأن إسرائيل مستعدة لتجاوز الخطوط الحمراء، حتى داخل أراضي من تعتبرها “عدواً مباشراً”، ما يجعل أمن طهران نفسه موضع شك.
أزمة استخباراتية داخلية في إيران
رغم محاولات التعتيم، تُظهر العمليات المتكررة للموساد عجزاً هيكلياً في أجهزة الاستخبارات الإيرانية، والتي لم تستطع حتى الآن حماية المنشآت النووية أو قياداتها من الاغتيال.
بل إن تكرار الاختراقات دفع بعض المسؤولين الإيرانيين إلى المطالبة بمراجعة كاملة للبنية الأمنية، وهو أمر نادراً ما يحدث في نظام مغلق كإيران.
وبحسب مراقبين فإن إسرائيل لم تعد تخوض حرباً خفية مع إيران، بل انتقلت إلى مرحلة العمليات العلنية، والاشتباك المباشر في قلب أراضي العدو. وبهذا، باتت طهران، بكل ما تملكه من حرس ثوري وشبكات استخبارات، مسرحاً مفتوحاً لواحد من أكثر أجهزة التجسس فاعلية في العالم. وما لم تُحدث إيران اختراقاً جذرياً في قدراتها الأمنية، فإن اختراق الموساد سيستمر، وربما يتسع.




