لم تكن هدى أبو عابد، البالغة من العمر 57 عاماً، تتوقع أكثر من انتظار طويل وإجراءات تفتيش مرهقة عندما أُبلغت بأنها تستطيع العودة إلى قطاع غزة بعد عامين قضتهما في مصر للعلاج.
لكنها وجدت نفسها، وفق روايتها، معصوبة العينين، خاضعة لساعات من الاستجواب، شاهدةً ابنتها تتعرض للضرب، بينما صودرت ممتلكاتها الشخصية عند معبر رفح.
أبو عابد، وهي مريضة قلب، كانت من أوائل الفلسطينيين الذين اتصلت بهم السفارة الفلسطينية في القاهرة للعودة، عقب إعادة فتح المعبر جزئياً مطلع فبراير 2026، لأول مرة منذ مايو 2024. غير أن هذه العودة جرت في ظل قيود إسرائيلية مشددة، حدّت من أعداد المسموح لهم بالمرور، وأخضعت العائدين لإجراءات تفتيش معقدة ومتعددة المستويات.
وقالت أبو عابد إنها عوملت “بكرامة” في الجانب المصري، لكن المشهد تغيّر فور وصولها إلى الجانب الفلسطيني، حيث مرّت أولاً عبر مراقبين أوروبيين، ثم ميليشيات محلية مدعومة من إسرائيل، قبل أن تقع في قبضة الجيش الإسرائيلي.
وأضافت أن “أسوأ معاملة” تعرضت لها كانت عند نقطة يشرف عليها عناصر من بعثة المساعدة الحدودية للاتحاد الأوروبي يوبام، المكلفة بتفتيش العائدين والتنسيق مع إسرائيل للموافقة على أسمائهم.
تروي أبو عابد أنها حملت معها ألعاباً لأحفادها وأدوية أساسية للقلب والضغط والسكري، لكنها فوجئت بمصادرتها جميعاً، إلى جانب هاتفها المحمول وعدة هواتف جديدة كانت قد اشترتها لأفراد عائلتها.
“لم يُسمح حتى بالطعام، فقط الملابس”، تقول، مضيفة أن الموظفين الفلسطينيين كانوا ينفذون التعليمات التي يحددها المشرفون الأوروبيون.
ورغم ذلك، أصرت على استعادة هاتفها الشخصي لما يحويه من صور ومعلومات عائلية. وبعد توسلات وانتظار طويل، أُعيد إليها الهاتف، لكن مع استمرار شرط الموافقة الإسرائيلية النهائية قبل السماح لها بدخول القطاع.
تأتي هذه الوقائع في إطار ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، والذي نص على إعادة فتح معبر رفح خلال مرحلته الأولى.
إلا أن إسرائيل ربطت التنفيذ الكامل بإعادة جثة آخر أسير لديها في غزة، وفرضت لاحقاً نظام حصص صارم: 50 مريضاً فقط يُسمح لهم بمغادرة القطاع يومياً، مع مرافقين اثنين لكل مريض، مقابل السماح لـ50 شخصاً فقط بالعودة.
وبحسب مسؤولين في السفارة الفلسطينية بالقاهرة، سجّل أكثر من 30 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة إلى غزة حتى أواخر يناير. ووفق هذه الوتيرة، قد يستغرق الأمر قرابة عامين لإعادة العالقين في مصر وحدها، بينما لا يزال عشرات الآلاف في دول أخرى.
في اليوم الأول لإعادة فتح المعبر، كان من المفترض أن يعود 42 شخصاً، لكن 30 منهم أُعيدوا دون توضيح الجهة التي قررت ذلك أو أماكن وجودهم الحالية. أما الذين سُمح لهم بالدخول، فكانوا 12 شخصاً، بينهم تسع نساء وثلاثة أطفال.
بعد عبور المعبر، استقل العائدون حافلة ترافقها مركبات عسكرية إسرائيلية. وفي جنوب خان يونس، أوقفتهم مجموعة مسلحة محلية مدعومة من إسرائيل.
تقول أبو عابد إن ضابطاً إسرائيلياً أمر بإحضارها تحديداً، قبل أن تُقتاد إلى ثكنة عسكرية مؤقتة، حيث خضعت لتفتيش جسدي، ثم عُصبت عيناها وقُيدت يداها.
داخل غرفة الاستجواب، واجهتها أسئلة متكررة عن حركة حماس وعائلتها وسبب عودتها إلى غزة، إلى جانب عبارات تهديد صريحة، من بينها: “قولوا لسكان غزة: احزموا أمتعتكم واخرجوا”. واستمر التحقيق ساعتين إلى ثلاث ساعات، فيما علمت لاحقاً أن ابنتها، البالغة 30 عاماً، تعرضت للضرب والإذلال في غرفة أخرى.
امرأة أخرى، صباح إسماعيل الرقب، روت تجربة مشابهة، شملت تعصيب العينين، ورش الماء البارد، وتهديدات بالاعتقال، إضافة إلى محاولات لإجبارها على “التعاون” مقابل تسهيلات مزعومة للهجرة، وهو ما قالت إنها رفضته.
في نهاية المطاف، سُمح لجميع النساء والأطفال بالعودة إلى الحافلة ونُقلوا إلى مستشفى ناصر في خان يونس. وتختم أبو عابد شهادتها بالقول: “بعد ما مررنا به، لا أنصح أحداً بمغادرة غزة. إنهم يريدون إجبارنا على الخروج بكل الوسائل”.





