أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم الاثنين، عن قرار بدفن 38 شهيدًا من بين الجثامين التي كانت محتجزة لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد تعذر التعرف على هوياتهم نتيجة ما لحق بها من تشويه وتعذيب خلال فترة الاحتجاز.
وذكرت الوزارة في بيانها أن هذا القرار جاء عقب استنفاد جميع المحاولات الطبية والفنية للتعرف على أصحاب الجثامين، سواء عبر الفحوص المخبرية أو بصمات الأسنان أو تحليل الحمض النووي، مشيرةً إلى أن الظروف التي أعيدت فيها الجثامين جعلت مهمة تحديد الهويات شبه مستحيلة.
وفي وقت سابق من اليوم، أفادت مصادر طبية في القطاع باستلام 15 جثمانًا جديدًا لشهداء أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عنهم في إطار صفقة تبادل محدودة، نُفذت عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وقد وصلت الجثامين إلى مستشفى ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، ليرتفع بذلك إجمالي عدد جثامين الشهداء المستلمة منذ بداية العام إلى 315.
وأوضح مسؤول في وزارة الصحة أن الطواقم الطبية والعائلات تواجه صعوبات هائلة في عملية التعرف على هوية الشهداء، بسبب الحالة المأساوية التي أعيدت بها الجثامين، والتي تشير بوضوح إلى تعرضهم لعمليات تعذيب وتنكيل وإعدام ميداني.
وأضاف أن العديد من الجثامين وصلت وهي مكبلة الأيدي أو تحمل آثار إطلاق نار مباشر في الرأس والصدر، إلى جانب حروق وتشوهات عميقة.
وأكد المتحدث باسم الوزارة أن الاحتلال الإسرائيلي ينتهك بشكل فاضح القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تجرم احتجاز جثامين القتلى وحرمان ذويهم من دفنهم بكرامة. واعتبر أن استمرار هذه السياسة يهدف إلى ابتزاز عائلات الشهداء والنيل من الكرامة الوطنية الفلسطينية، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف هذه الممارسات.
وفي مشاهد مؤثرة داخل مستشفى ناصر، تجمعت عائلات الشهداء بانتظار دورها في محاولة التعرف على أبنائها، مستعينة بالصور القديمة أو الملابس أو أي علامات مميزة يمكن أن تساعد في التمييز بين الجثامين.
إلا أن معظمها كان في حالة تحلل وتشويه متقدمة، ما دفع وزارة الصحة إلى التنسيق مع الجهات الشرعية لاتخاذ قرار الدفن الجماعي بعد توثيق كل جثمان بشكل رسمي استعدادًا لأي تطابق محتمل في المستقبل عبر فحوص الحمض النووي.
من جهته، قال أحد مسؤولي لجنة استلام الجثامين إن الاحتلال يعيد الجثامين في ظروف غير إنسانية، بعد احتجازها لأشهر في ثلاجات أو مقابر الأرقام، مضيفًا أن هذا السلوك يعكس عقيدة انتقامية تهدف إلى إذلال الفلسطينيين حتى بعد استشهادهم.
وأشار إلى أن من بين الجثامين المستلمة مؤخرًا جثثًا لأطفال ونساء، ما يكشف حجم الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق المدنيين في قطاع غزة منذ بدء العدوان الأخير.
وفي الوقت ذاته، دعت منظمات حقوقية محلية ودولية إلى فتح تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات المتعلقة باحتجاز الجثامين، معتبرةً أن هذه الممارسات تدخل في إطار جرائم الحرب التي يجب أن تُعرض على المحكمة الجنائية الدولية.
وشددت تلك المنظمات على ضرورة إلزام إسرائيل بالإفراج عن جميع الجثامين المحتجزة فورًا، وتمكين ذويهم من وداع أبنائهم ودفنهم بما يليق بكرامتهم الإنسانية والدينية.
واختتمت وزارة الصحة بيانها بالتأكيد على أن دفن الشهداء مجهولي الهوية اليوم لا يعني طيّ ملفهم، بل يمثل خطوة إنسانية مؤقتة لحفظ كرامتهم، مع استمرار الجهود لتوثيق جميع الانتهاكات التي تعرضوا لها، والعمل على محاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية على ما وصفتها بـ«الجرائم المنظمة ضد الموتى والأحياء في قطاع غزة».





