قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إن هجوم طوفان الأقصى الذي نفذته حركة المقاومة الإسلامية “حماس” يوم 7 أكتوبر يضاف لقائمة الإخفاقات الاستخباراتية الكبرى.
وبحسب الصحيفة فإنه قبل وقت طويل من شنّ حماس هجماتها في السابع من أكتوبر 2023، كان هناك ادلة وفيرة بحوزة الجيش الاسرائيلي بشأن شيء ما يجري التحضير له في غزة.
وقد كانت إسرائيل مطلعة منذ أكثر من عام على خطة سرية لحماس تتعلق بغزو واسع النطاق، كما رصد الجنود الإسرائيليون على حدود غزة تدريبات لحماس تحاكي اقتحام قواعد عسكرية إسرائيلية ومستوطنات مدنية على مدى أسابيع، بالتزامن مع تحذيرات أطلقها قادة الأمن في البلاد من أن أشهرًا من الجدل الداخلي المحتدم والاحتجاجات السياسية جعلت إسرائيل في وضع ضعيف.
واكتشف جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك” في الليلة التي سبقت الهجوم، أن العشرات وربما المئات من عناصر حماس قاموا بتفعيل خدمة الهواتف المحمولة عبر الشبكات الإسرائيلية، وهو مؤشر قوي على أنهم يعتزمون دخول إسرائيل قريبًا.
ومع تقدم الليل، التقطت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إشارات على أن بعض قادة حماس دخلوا في حالة اختباء، وأن مجموعات من قوات النخبة التابعة لحماس بدأت في التجمع في مواقع مختلفة حول قطاع غزة.
ناقشت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية الشهيرة ما تعنيه هذه المؤشرات حتى وقت متأخر من الليل، وقررت إعادة التقييم في الصباح، ولكن عند الفجر شنت حماس هجومها تمامًا كما تم التخطيط له في الوثيقة التي حصلت عليها إسرائيل قبل عام، مما أسفر عن مقتل نحو 1,200 شخص وأسر 250 آخرين إلى غزة.
وثّقت إسرائيل إخفاقاتها هذه في تقرير صدر هذا الأسبوع عن جيشها حول الهجوم.
تضمن التقرير خطأ استخباراتي استراتيجي واسع النطاق من النوع الذي تكرر عبر التاريخ إلى جانب الأخطاء الفردية التي وقعت قبل الهجوم.
هذه الأخطاء شائعة لدرجة أن الباحثين أطلقوا عليها اسم “الإخفاقات الاستخباراتية الاستراتيجية” وهو تعبير يلخص عدم القدرة على رؤية الصورة الكاملة بسبب التركيز على التفاصيل الصغيرة.
يسهل اكتشاف هذه الإخفاقات بأثر رجعي، لكنها تبقى صعبة التدارك أثناء حدوثها.
ينبع هذا الفشل من حقيقة أن الاستخبارات ليست علمًا دقيقًا بل مزيج من الفن والتحليل، حيث يقوم العملاء بجمع المعلومات وصياغة نظريات قد يكون من الصعب تغييرها، وعندما تتداخل مع هذه العوامل عمليات تضليل متعمدة وتطورات غامضة—مثل التساؤل عما إذا كان حشد عسكري ضخم مجرد ورقة ضغط أم مقدمة لحرب—فإن ما قد يبدو واضحًا لاحقًا قد يكون مربكًا للغاية في وقت وقوعه.
وغالبًا ما يتم تجاهل الأدلة التي تتناقض مع التقييمات السائدة بين مسؤولي الاستخبارات وصناع القرار في ظل هذا التعقيد.
يقول جون فيريس، أستاذ التاريخ في جامعة كالغاري المتخصص في دراسة الاستخبارات وإخفاقاتها: “جزء من نظرية المفاجأة الاستراتيجية هو أن المعلومات الاستخباراتية الجيدة يصعب على صناع القرار استخدامها، فإذا أخبرتك الاستخبارات الجيدة بشيء تعتقد أنه لن يحدث، فلن تأخذها في الاعتبار”.
في حالة هجمات السابع من أكتوبر، كانت إسرائيل تعتقد أن حماس تحاول الضغط من أجل الحصول على تنازلات اقتصادية من خلال إثارة التوتر على الحدود، فقد كانت الجماعة تستخدم الاحتجاجات والتهديد بشن الهجمات في كثير من الأحيان للمطالبة بالمزيد من تصاريح العمل للغزيين—أو هكذا ظنت إسرائيل، لكن في الواقع، كانت حماس تستعد للهجوم بشكل علني، ولم يعتقد أي مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى أن الجماعة المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، والتي تعتبر أضعف بكثير من الجيش الإسرائيلي، تسعى إلى خوض حرب شاملة.
لقد ارتكبت إسرائيل خطأ كارثيًا مماثلًا قبل السابع من اكتوبر بخمسين عامًا تقريبًا.
كانت مصر وسوريا تحشدان قواتهما على حدودها، وأعلنت الدول العربية عزمها استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل قبل ست سنوات خلال نصر ساحق.
تلقت إسرائيل تحذيرات متكررة من أن الحرب وشيكة، بما في ذلك معلومات من مسؤول مصري رفيع المستوى حذر جهاز الموساد في الخامس من أكتوبر 1973 من أن سوريا ومصر ستشنان هجومًا في اليوم التالي ولكن ظلت اسرائيل تعتقد حتى اللحظة الأخيرة قبل اندلاع الحرب أن خصومها كانوا يراوغون ليقوموا هم في النهاية بمباغتتها.
تجاهلت اسرائيل تحذيرات الجاسوس المصري باعتبارها خدعة من عميل مزدوج يسعى لنشر معلومات مضللة، ولم يكن لدى الاستخبارات الإسرائيلية أدنى شك في ذلك الوقت بأن جيران اسرائيل سيخوضون حربًا أخرى بعد هزيمتهم القاسية عام 1967.
سبقت هذه الأخطاء الاستخباراتية هفوة أكبر بكثير وقعت قبل ثلاثة عقود في الولايات المتحدة، فقبل أن تشن اليابان هجومها المدمر على الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر في السابع من ديسمبر 1941، كانت بحوزة واشنطن دلائل واضحة على هجوم وشيك.
كانت الولايات المتحدة واليابان تجريان محادثات سلام، وفي اليوم السابق للهجوم، فكّت الاستخبارات الأمريكية شفرات رسائل يابانية تشير إلى أن طوكيو أنهت المحادثات.
كان الأسطول الياباني في المحيط الهادئ قد اختفى قبل أسابيع من ذلك واطلق الجيش والبحرية الأمريكيان تحذيرات بشأن احتمال اندلاع أعمال عدائية.
ولكن كبار القادة الأمريكيين لم يتصوروا أن اليابان قادرة على خوض حرب مع أمريكا أو أنها مهتمة بذلك وفق فيرس وبالتالي فشلوا في الرد بفاعلية، فقد اعتقد القادة الأمريكيون أن اليابان تركز على معارك أقرب إلى حدودها ولم يتم التعامل مع التحذيرات بالشكل المناسب، حتى عندما التقطت أنظمة الرادار الأمريكية 183 طائرة على بعد 137 ميلًا من سواحل هاواي قبل ساعة واحدة من الضربة.
بعد الحرب، لخّص الجنرال شيرمان مايلز، مساعد رئيس الأركان، فشل الاستخبارات بقوله: “كان لدينا مقياس، ولم يكن لدينا سبب للشك في دقته التقريبية، ومع ذلك، كان خاطئًا تمامًا.”
قبل ذلك بنحو ستة أشهر، ارتكب الاتحاد السوفيتي خطأً فادحًا خاصًا به، فقد قدمت الاستخبارات السوفيتية لجوزيف ستالين أدلة واضحة على أن ألمانيا النازية، التي كانت تُعتبر حليفة لموسكو، كانت تستعد لغزو واسع النطاق، لكن المؤرخين يقولون إن ستالين فشل في تعبئة جيشه للدفاع ضد الهجوم الوشيك.
ويقول فيريس إن هجوم السابع من أكتوبر كان من بين أكثر الإخفاقات الاستخباراتية الاستراتيجية فداحة، نظرًا لمدى المفاجأة المطلقة التي تعرضت لها إسرائيل وفشلها التام في اتخاذ أي احتياطات ضد هجوم واسع من غزة.
وأوضح المسؤولون العسكريون الإسرائيليون أن سبب الفشل في الاستعداد لأسوأ السيناريوهات كان اعتقادهم الخاطئ بأن جهازهم الاستخباراتي كان متطورًا لدرجة أنهم كانوا يعلمون ما سيحدث مسبقًا.
وقال أحد الضباط الذين عرضوا نتائج تحقيق السابع من أكتوبر على الصحفيين: “لقد أصبحنا مدمنين على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة. الإدمان يكمن في الاعتقاد بأنك تعرف كل شيء”.
وأضاف: “في بعض الأحيان، تعتقد أنك تعرف كل شيء، وبسبب هذا الإدمان، ظننا أننا نمتلك فهمًا كافيًا لما سيفعله العدو، وكيف ومتى سيفعل ذلك”.
كما أقرّ مسؤولو الاستخبارات الإسرائيلية بأنهم عززوا ثقافة استبعاد الآراء التي تتعارض مع التقييم السائد، على الرغم من أنهم سعوا قبل نصف قرن إلى حل هذه المشكلة بالذات.
بعد الإخفاق الاستخباراتي عام 1973، أُنشئت فرق داخل الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ولاحقًا داخل “الشاباك” بهدف تحدي التقييمات السائدة.
كانت وحدة “المحامي الشيطاني” صغيرة لكنها تألفت من نخبة صاعدة داخل قسم أبحاث الاستخبارات العسكرية، وهو القسم المسؤول عن إصدار التحذيرات المبكرة من الحروب، وفقًا لما قاله يوسي كوبرفاسر، الذي ترأس هذا القسم في السابق.
لكن مع مرور الوقت وتلاشي أثر فشل 1973، توقفت هذه الوحدة عن استقطاب النخبة، وتم خفض رتبة قائدها من عقيد إلى مقدم، بحسب كوبرفاسر.
أما المشكلة الأكبر، وفقًا لأوري بار-جوزيف، أستاذ جامعة حيفا وباحث في الإخفاقات الاستخباراتية، فهي أن الناس اعتادوا على تجاهل آراء “المحامين الشياطين” لمجرد أنهم كانوا يتبنون وجهة النظر المعارضة بحكم دورهم، وما كان يُفترض أن يكون صمام أمان أصبح مجرد جزء آخر من البيروقراطية.
وقال بار-جوزيف: “في البداية، تأخذ الأمر على محمل الجد، لكن بعد بضع سنوات، لا أحد يفعل ذلك”.
واستعادت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مكانتها في نظر قادة البلاد على مدى العام الماضي، من خلال شنّ هجمات دقيقة على إيران والتفكيك السريع لميليشيا حزب الله اللبناني، لكن إسرائيل لم تَعُد تعتمد على الإنذارات المبكرة وحدها، فقد أنشأت منطقة عازلة عميقة على طول حدودها مع غزة، وأحكمت سيطرتها على المرتفعات في جنوب لبنان بعد تدمير بنية حزب الله التحتية هناك، وتخطط للبقاء إلى أجل غير مسمى في منطقة عازلة داخل سوريا قبالة مرتفعات الجولان، كما تصرّ على أن تظل أجزاء من جنوب سوريا منزوعة السلاح.
وجاء في تقرير الجيش الإسرائيلي حول إخفاقات السابع من أكتوبر: “لا يمكن إدارة الصراع مع عدوّ هدفه تدميرك”.




