Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أهم الأنباءفلسطين

قطع الشريان المالي: تداعيات قرار إسرائيل وقف العمل مع البنوك الفلسطينية

11 يونيو، 2025

في خطوة خطيرة تحمل تداعيات مدمّرة على الاقتصاد الفلسطيني، ألغى وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الإعفاء الذي يتيح للبنوك الإسرائيلية التعامل مع البنوك الفلسطينية، ما يهدد بشلّ القطاع المالي الفلسطيني، ويزيد من تعقيد الوضع الإنساني والسياسي في الأراضي المحتلة.

هذا القرار، الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية، يعكس نزعة انتقامية متصاعدة داخل الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة تجاه أي تحرك دولي يدعم الحقوق الفلسطينية، ويكشف في الوقت نفسه هشاشة البنية الاقتصادية التي تعتمد عليها السلطة الفلسطينية في ظل الاحتلال.

خلفية القرار

اتخذ سموتريتش قراره بعد ساعات من إعلان أربع دول غربية—بريطانيا، كندا، نيوزيلندا، والنرويج—فرض عقوبات عليه وعلى وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير، بسبب دورهما المباشر في “العنف المتطرف” ضد الفلسطينيين.

وكانت العقوبات بمثابة صفعة دبلوماسية لحكومة بنيامين نتنياهو، التي تواجه موجة متصاعدة من العزلة الدولية منذ اجتياحها الدموي لقطاع غزة بعد 7 أكتوبر 2023.

ردّ سموتريتش لم يتأخر، فجاء القرار المالي بمثابة انتقام مباشر من السلطة الفلسطينية، التي يتهمها اليمين الإسرائيلي بأنها تقود حملة “نزع شرعية” ضد إسرائيل عبر التحركات الدبلوماسية في أوروبا والمحافل الدولية.

لكن في واقع الأمر، لا يُعد القرار مجرد رد فعل سياسي، بل هو محاولة ممنهجة لتقويض الاقتصاد الفلسطيني كوسيلة عقاب جماعي تهدف إلى إخضاع الفلسطينيين ودفعهم للقبول بالأمر الواقع تحت الاحتلال.

الإعفاء المالي: أداة حيوية لبقاء الاقتصاد الفلسطيني

يمثل الإعفاء الذي أُلغي صمام أمان للتعاملات المصرفية الفلسطينية، إذ يسمح للبنوك الإسرائيلية بالعمل مع البنوك الفلسطينية دون الخشية من الملاحقة القانونية بسبب قوانين تمويل “الإرهاب” أو العقوبات المفروضة على السلطة.

ففي ظل غياب عملة وطنية فلسطينية وبنك مركزي مستقل، تعتمد السلطة الفلسطينية بشكل شبه كامل على البنية المصرفية الإسرائيلية لتحويل الأموال، دفع الرواتب، وتأمين المعاملات التجارية.

وتُجرى الغالبية العظمى من العمليات المالية في الضفة الغربية بالشيكل الإسرائيلي، مما يجعل التعاون المصرفي مع إسرائيل ليس خيارًا بل ضرورة وجودية.

ومن دون هذا التعاون، ستكون المؤسسات المالية الفلسطينية معزولة عن النظام المصرفي العالمي، ما يعني شللاً كاملاً في التعاملات البنكية، وتحولًا سريعًا نحو الانهيار الاقتصادي.

المخاطر الاقتصادية: شلل محتمل وأزمة إنسانية

إذا طُبق قرار سموتريتش بشكل كامل، فإن تداعياته قد تكون كارثية. البنوك الفلسطينية لن تستطيع إرسال أو استقبال الأموال من الخارج، ما يعني توقف التحويلات المالية الحيوية، ومنها المساعدات الدولية، والأموال التي يحولها الفلسطينيون في الشتات لعائلاتهم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن السلطة الفلسطينية ستجد صعوبة كبيرة في دفع رواتب موظفيها، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة اجتماعية في الضفة الغربية، وزيادة في مستويات الغضب الشعبي، وربما إشعال مواجهات ميدانية واسعة.

وقد حذرت المؤسسات الدولية مرارًا من هذه السيناريوهات. فقد أكدت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين في يوليو الماضي أن “قطع التمويل عن البنوك الفلسطينية سيؤدي إلى أزمة إنسانية”. كما اعتبرت الأمم المتحدة أن “عزل البنوك الفلسطينية من جانب واحد عن النظام المصرفي العالمي يُعدّ انتهاكًا للقانون الدولي”.

العقاب الجماعي كسلاح استراتيجي

قرار سموتريتش لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى معاقبة الفلسطينيين على الساحة الدولية. فبعد إعلان خمس دول أوروبية—بينها النرويج وإسبانيا وأيرلندا—الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين، أعلن سموتريتش عن منح الشرعية لعدد من البؤر الاستيطانية العشوائية، في محاولة لفرض أمر واقع على الأرض كرد على المواقف الأوروبية.

هذه السياسة تُبرز كيف يستخدم اليمين الإسرائيلي أدوات الدولة، بما في ذلك السياسات المالية، كسلاح لمعاقبة السلطة الفلسطينية ومنع أي مسار دبلوماسي يعيد إحياء فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة.

في ظل ذلك، يصبح القرار المالي الأخير امتدادًا للضم الزاحف والاستيطان الواسع وتفكيك مؤسسات السلطة من الداخل، وليس مجرد إجراء تقني كما يحاول بعض المسؤولين الإسرائيليين تصويره.

الضغوط الدولية: محدودة التأثير حتى الآن

رغم القلق الدولي المتزايد، لا تزال قدرة المجتمع الدولي على التأثير على إسرائيل محدودة. فحتى بعد العقوبات الأخيرة من بعض الدول الغربية، لم تُقدِم الولايات المتحدة—الضامن الأكبر لإسرائيل—على اتخاذ أي إجراءات ملموسة لوقف هذه السياسات المتطرفة.

كما أن الأوروبيين، رغم الاعتراف الرمزي بفلسطين من عدة دول، لم يوظفوا حتى الآن أدوات ضغط اقتصادية فعّالة مثل تعليق اتفاقيات التعاون مع إسرائيل، أو فرض عقوبات واسعة على حكومة نتنياهو.

ومن المرجح أن يؤدي هذا القرار إلى مزيد من التآكل في شرعية السلطة الفلسطينية، التي تواجه انتقادات شعبية متزايدة بسبب ما يُنظر إليه على أنه عجز وفشل في حماية مصالح الفلسطينيين، أو حتى ضمان الحد الأدنى من الخدمات والرواتب.

كما أن عزل النظام المصرفي الفلسطيني سيزيد من اعتماد السلطة على المنح الطارئة والمساعدات، مما يعزز تبعيتها الخارجية ويُقوّض فرص بناء اقتصاد مستقل أو مقاوم.

قرار سياسي متنكر بغطاء مالي

في جوهره، ليس قرار بتسلئيل سموتريتش سوى محاولة لإخضاع الفلسطينيين سياسيًا عبر خنقهم ماليًا، وتدمير ما تبقى من بنى مؤسسية واقتصادية في الضفة الغربية.

ويقول المراقبون إن هذا القرار استخدام صارخ للأدوات المالية كأداة للعقاب الجماعي والسيطرة، في انتهاك مباشر للقانون الدولي ولقواعد النظام المالي العالمي.

إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد، فإن الخطوة التالية قد تكون الانفجار، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني، وهو ما قد يدفع الضفة الغربية إلى حافة الانهيار، في لحظة تاريخية حرجة تشهد تصاعدًا في المقاومة، وانهيارًا في الثقة السياسية، واحتقانًا غير مسبوق في الشارع الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى