يشهد قطاع غزة تصاعدًا خطيرًا في حجم الجرائم الإسرائيلية بحق المدنيين الفلسطينيين الذين يتجمعون قرب مراكز توزيع المساعدات في وسط وجنوبي القطاع، وسط مؤشرات تدعو إلى إعادة النظر في دور ما تُعرف بمؤسسة غزة الإنسانية، التي يُحمّلها كثيرون مسؤولية مباشرة عن ما يجري.
وتُتهم المؤسسة باتباع نموذج عمل مشبوه يقوم على استدراج المدنيين إلى نقاط توزيع محددة، مكشوفة بالكامل، وتدار بشكل مباشر أو غير مباشر بالتنسيق مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.
هذا النموذج بات يُعدّ بمثابة فخ مميت، حيث يتعرض آلاف الفلسطينيين المجوّعين للقتل أو الإصابة، بل وللمعاملة القاسية والمهينة، فيما تحوّلت تلك المراكز إلى “مصائد موت” تُستخدم كأدوات ضمن سياسة الإبادة الجماعية التي تنتهجها إسرائيل بحق سكان القطاع منذ أكثر من عشرين شهرًا.
في ظل هذا الواقع المأساوي، شهدت الأسابيع الثلاثة الماضية مقتل أكثر من 335 مدنيًا وإصابة الآلاف خلال محاولتهم الوصول إلى هذه المراكز، الأمر الذي لم يُعامل كحادث عارض، بل كجزء من مسلسل استهداف ممنهج.
ورغم تلك الخسائر البشرية الفادحة، تواصل المؤسسة تشغيل مراكز التوزيع تحت مسميات إنسانية، متجاهلة بوضوح مبادئ الحياد الإنساني، مما يجعلها شريكًا صريحًا في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
الآلية التي تعتمد عليها المؤسسة تلزم المدنيين بالسير لمسافات طويلة في طرق مكشوفة، تحت مرأى ومسمع القوات الإسرائيلية، قبل أن يتعرضوا لإطلاق نار مباشر من الطائرات والمروحيات وقذائف المدفعية، ما يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.
وفي أحسن الأحوال، لا يصل إلى مراكز التوزيع سوى من حالفه الحظ، ليحصل على كميات ضئيلة من المساعدات لا تكاد تفي بأدنى الاحتياجات الأساسية.
تجاهل القوات الإسرائيلية للضحايا المدنيين أصبح جزءًا من السياسة المتبعة، حيث تصدر بيانات عامة ومبهمة تبرر الهجمات بوجود “مشتبه بهم”، من دون تقديم أدلة حقيقية، فيما تؤكد التقارير الميدانية أن معظم الضحايا هم نساء وأطفال وكبار سنّ مدنيون لا يشكلون أي تهديد.
حتى التحقيقات التي تعلن عنها السلطات الإسرائيلية غالبًا ما تكون صورية، غير مكتملة، أو تُحجب نتائجها، في إطار سياسة ممنهجة لإخفاء الأدلة وتوفير الحصانة للجناة، وهذا ما يؤكد استمرار الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة.
وتؤد منظمات حقوقية أن المجتمع الدولي يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية بسبب تقاعسه عن اتخاذ إجراءات فعالة لوقف هذه الجرائم، وافتقاره إلى الضغط الحقيقي على الاحتلال لإلغاء الآلية اللاإنسانية المعتمدة في توزيع المساعدات.
وتتحمل وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية التي تخلّت عن دورها في حماية المدنيين مسؤولية إضافية بسبب عدم تدخلها في مواجهة هذه الأزمة.
وتقول المنظمات الحقوقية إن استمرار المؤسسة في تشغيل هذه المراكز على هذا النحو، وضمن التنسيق أو التواطؤ مع الاحتلال، يجعلها طرفًا مسؤولًا عن التسبب في مقتل وجرح مئات المدنيين، ويحوّل العمل الإغاثي إلى أداة ضمن سياسة التجويع والإبادة، بدلاً من كونه وسيلة لإنقاذ حياة المدنيين.
والقانون الدولي الإنساني يفرض على الأطراف احترام الحياد في العمل الإنساني وعدم تعريض المدنيين للخطر. لكن ما يشهده قطاع غزة من استهداف ممنهج للمدنيين أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء، واستخدام التجويع كسلاح، يشكل انتهاكًا صارخًا لهذه القوانين، ويرقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
يبقى السؤال الملح: كيف يمكن لمنظمة إنسانية تدّعي العمل لمساعدة المدنيين أن تستمر في ممارسة نمط عمل يعرّض حياة آلاف الفلسطينيين للخطر، ويجعل من مراكز المساعدات نقاط استهداف مباشرة؟
إن هذا الواقع المرير يتطلب وقفة دولية جادة لتقييم أداء هذه المؤسسة، وفتح تحقيقات مستقلة تحاسب القائمين عليها جنائيًا، وتحظر أي دعم مالي أو لوجستي لها، حفاظًا على حياة المدنيين الفلسطينيين وضمانًا لعدم استخدام العمل الإنساني أداة في مسلسل الإبادة الجماعية الذي يتعرض له سكان قطاع غزة.





