كشفت نتائج استطلاع جديد أجراه “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين اليهود لا يشعرون بأي قلق حقيقي حيال التقارير المتزايدة حول المجاعة والمعاناة الإنسانية في قطاع غزة، وذلك رغم التحذيرات الأممية من حدوث “أسوأ سيناريو للمجاعة” في المنطقة المحاصرة.
ووفقًا للنتائج التي نُشرت هذا الأسبوع، فإن 79% من المشاركين اليهود في إسرائيل قالوا إنهم لا يشعرون بالقلق على الإطلاق أو يشعرون بـ”قلق محدود للغاية”، في حين أبدى 86% من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل (الذين يشير إليهم الاستطلاع بـ”العرب”) قلقًا كبيرًا أو متوسطًا إزاء الوضع الإنساني الكارثي في القطاع.
تباين سياسي وأخلاقي صارخ
أظهر الاستطلاع، الذي أُجري بين 27 و31 يوليو، أن المواقف من معاناة سكان غزة ترتبط بدرجة كبيرة بالانتماء السياسي للمشاركين. حيث أعرب 70% من المنتمين إلى اليسار الإسرائيلي عن قلقهم، مقابل 32% فقط من المنتمين إلى الوسط، و6% فقط من اليمين.
ويشير هذا الانقسام الحاد إلى وجود شرخ عميق في المجتمع الإسرائيلي حول كيفية فهم الحرب على غزة وتبعاتها، ليس فقط على الفلسطينيين، بل على صورة إسرائيل في العالم.
ثقة عمياء برواية الجيش
النتائج تعكس أيضًا ثقة واسعة بين الإسرائيليين في الرواية الرسمية لجيش الاحتلال. إذ قال 70% من اليهود الإسرائيليين إنهم يصدقون أرقام الجيش بشأن عدد الضحايا المدنيين في غزة، بينما شكك 63% من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في دقة هذه الأرقام.
وتتعارض أرقام الجيش مع إحصائيات وزارة الصحة في غزة، التي وثّقت استشهاد أكثر من 60 ألف فلسطيني منذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023، معظمهم من النساء والأطفال. وقد صُنّفت الأعداد بالأسماء والأعمار والجنس، وحظيت بتأييد دولي واسع، بما في ذلك من مجلة “لانسيت” الطبية التي اعتبرت أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى بكثير.
إنكار المعاناة
عند سؤال الإسرائيليين عما إذا كانوا يعتقدون أن “تصرفات إسرائيل العسكرية تسعى لتقليل المعاناة غير الضرورية للفلسطينيين”، أجاب 78% من المشاركين اليهود بالموافقة، في مؤشر واضح على حالة الإنكار المجتمعي أو الاعتماد الأعمى على التبريرات الرسمية.
هذا الموقف أثار انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية الدولية، التي أشارت إلى أن الحرب تُدار بمنطق العقاب الجماعي والتجويع المتعمد، وهي ممارسات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي.
المستوطنون خارج المعادلة
في قضية أخرى مرتبطة بممارسات الاحتلال، كشف الاستطلاع أن 44% من الإسرائيليين يعتقدون أن قوات الأمن تتعامل بتساهل مفرط مع عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، مقابل 23% يرون التعامل مناسبًا و22% يعتبرونه مفرطًا بالقسوة.
أما بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، فكانت النسبة أعلى، حيث قال 61% إن القوات الإسرائيلية تتغاضى بشكل كبير عن عنف المستوطنين، ما يعكس حجم الهوة في تقييم الواقع الميداني.
مزاج عام قاتم
رغم حالة “اللااكتراث” بمعاناة الفلسطينيين، يعاني الإسرائيليون أنفسهم من تراجع عام في نظرتهم إلى مستقبل البلاد. وأظهر الاستطلاع انخفاضًا في جميع مؤشرات التفاؤل الأربعة الرئيسية: الأمن القومي، الديمقراطية، الاقتصاد، والتماسك الوطني.
40% فقط أعربوا عن تفاؤلهم بمستقبل الأمن القومي
38% عبروا عن ثقتهم في مستقبل النظام الديمقراطي
28% لديهم أمل في تحسن الأوضاع الاقتصادية
23% فقط أبدوا تفاؤلًا تجاه التماسك الوطني داخل المجتمع الإسرائيلي
ويقول معدو التقرير إن هذه النتائج تمثل “عودة إلى مستوى القلق المزمن الذي سبق التصعيد في غزة”، ولا تشير إلى أزمة جديدة، لكنها تؤكد هشاشة المزاج العام في إسرائيل.
تراجع دولي متسارع
على المستوى الدولي، لا سيما في الولايات المتحدة، شهدت شعبية إسرائيل تدهورًا حادًا. فقد أظهر استطلاع جديد لمعهد “غالوب” أن 60% من الأميركيين يعارضون الحرب الإسرائيلية، بينما قال 52% إنهم ينظرون إلى بنيامين نتنياهو بشكل سلبي، وهو أسوأ تقييم له منذ تسعينيات القرن الماضي.
ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت الوضع بقوله: “إسرائيل أصبحت دولة منبوذة… حتى مؤيدوها في الولايات المتحدة باتوا يجدون صعوبة في الدفاع عنها”.





