قالت وكالة بلومبيرغ إن الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف قيادات حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة قلب محادثات الهدنة بشأن غزة رأسًا على عقب، ووصفته بأنه “تطورا دراماتيكيا يعكس خطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة”.
وشنت إسرائيل غارة غير مسبوقة على العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفة قيادات من حركة حماس. وبحسب الوكالة فإن الهجوم لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل مثّل هزة جيوسياسية قلبت الموازين رأسًا على عقب، إذ قوّض مساعي التهدئة في غزة وأعاد ملف الضمانات الأمنية الأمريكية لدول الخليج إلى الواجهة.
وذكر تقرير بلومبيرغ، أن الغارة الإسرائيلية استهدفت قادة بارزين في حركة حماس داخل بلد حليف للولايات المتحدة، يحتضن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، ويدير أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم.
هذه العملية تضاف إلى سلسلة الضربات التي نفذتها إسرائيل في العام الماضي ضد أهداف في سوريا ولبنان وإيران، لكنها هذه المرة تجاوزت الخطوط التقليدية، من خلال استهداف مباشر لعاصمة خليجية ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن.
إدانات إقليمية واسعة
تدفقت الإدانات من العواصم العربية، في مقدمتها أبوظبي التي حذّرت من “عواقب بالغة الخطورة” على أمن المنطقة، رغم كونها مطبّعة مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020.
ووصفت السعودية، التي تمارس واشنطن ضغوطًا عليها للانضمام إلى مسار التطبيع، الضربة الإسرائيلية بأنها “عمل إجرامي”، فيما أكدت الدوحة أن ما جرى “انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية”.
واعتبرت دينا إسفنديار، خبيرة الاقتصاد الجيوسياسي في بلومبيرغ إيكونوميكس، أن الغارة أنهت فعليًا مسار التطبيع “التطبيع انتهى. لا توجد أي آفاق لمزيد من التطبيع مع دول الخليج، وخاصة السعودية، بعد أن تعرّضت إحدى هذه الدول لهجوم.”
ويعكس هذا التصريح إدراكًا متزايدًا في العواصم الخليجية بأن مسار السلام مع إسرائيل فقد زخمه، بل وربما ارتدّ ضد الدول التي كانت تُصنَّف بوصفها شركاء محتملين في مشاريع التطبيع.
واشنطن بين العجز والتبرير
أكدت الولايات المتحدة أنها أُخطرت بالهجوم قبل لحظات فقط من وقوعه، ما جعل تحذيرها للدوحة عديم الجدوى. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شدد من جانبه على أن بلاده “تصرفت بمفردها”.
وقد أثار هذا التناقض شكوكًا بشأن جدوى الضمانات الأمريكية لحماية حلفائها الخليجيين.
ورأى بدر السيف، الأستاذ المساعد بجامعة الكويت وزميل “تشاتام هاوس” أن “على دول الخليج أن تدفع بقوة نحو بناء نظام إقليمي مستقل بينما ترد على الهجوم على قطر، قبل أن تتحوّل هي الأخرى إلى ورقة بيد الإسرائيليين. الولايات المتحدة ليست ضامناً. وإذا لم يظهر دعمها في أوقات الحاجة، فإن دورها ووجودها يجب أن يخضعا للمساءلة.”
إسرائيل كقوة مزعزعة للاستقرار
اعتبر جوناثان بانيكوف، نائب ضابط الاستخبارات الوطنية الأمريكية السابق لشؤون الشرق الأدنى، أن الغارة ستكرّس نظرة العالم العربي لإسرائيل باعتبارها الخطر الأكبر على الاستقرار.
وقال إن “الغارة ستعزز بصورة جوهرية الرؤية السائدة في العالم العربي بأن إسرائيل تتصرف بإفلات من العقاب، وأنها ـ وليس إيران ـ تمثل أكبر قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة.”
ومنذ عام 2012، أصبحت الدوحة مقرًا لقيادات حماس بعد خروجهم من سوريا، في خطوة فُسرت حينها على أنها جاءت بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف إبقاء قنوات التواصل مفتوحة والحد من النفوذ الإيراني على الحركة.
خلال الحرب الإسرائيلية في غزة لعبت قطر دور الوسيط الرئيس في محادثات وقف إطلاق النار، لكنها الآن تواجه تحديًا غير مسبوق يهدد بنسف هذا الدور بالكامل.
نهاية محتملة لدور الوساطة
شدد تيد سينغر، الرئيس السابق لعمليات الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، على أن الغارة الإسرائيلية في الدوحة أنهت عمليًا الدور القطري.
وقال “هذا التطور ينهي تماماً أي دور محتمل لقطر في الوساطة، بل إن دولاً أخرى مثل تركيا، حيث يعيش ويعمل قادة حماس، على الأرجح في حالة تأهب قصوى الآن، لأن هذه سابقة خطيرة: عاصمة للسلام تُستهدف لمجرد ضرب أطراف مشاركة في مفاوضات وقف إطلاق النار.”
ورغم أن عشرات من مسؤولي حماس يقيمون في تركيا، فإن احتمال تنفيذ إسرائيل هجومًا مباشرًا هناك يبقى ضئيلاً، نظرًا لمخاطر الرد العسكري التركي.
مع ذلك، قالت أنقرة إن الهجوم على الدوحة “يعكس تبنّي إسرائيل للإرهاب كسياسة دولة”، محذرة من خطورة انتقال سابقة قطر إلى ساحات أخرى.
وأشار توربيورن سولتفدت، كبير محللي شؤون الشرق الأوسط في شركة “فيريسك مابلكروفت”، إلى أن: “عتبة استهداف مسؤولي حماس في تركيا ستكون أعلى منها في قطر، نظراً لمخاطر اندلاع مواجهة مباشرة مع أنقرة. لكن مع تزايد نقاط الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا، يزداد خطر فتح صدع جيوسياسي إقليمي جديد.”





