تشهد إسرائيل في سبتمبر 2025 لحظة سياسية حرجة، حيث تتزايد مؤشرات العزلة الدولية وتتعمق أزمة صورتها عالميًا.
وعكس خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وُصف بـ”خطاب إسبرطة” إدراكًا داخليًا متأخرًا لحجم التآكل في مكانة إسرائيل، ليس فقط في أوروبا كما حاول الإيحاء، بل أيضًا في الولايات المتحدة، العالم العربي، وأوساط متعددة تشمل التجارة، التكنولوجيا، الأكاديميا، والثقافة.
النتيجة أن إسرائيل تتحول تدريجيًا إلى دولة منبوذة، في مسار قد يقوّض ركائز قوتها التقليدية.
الضربة القطرية وتداعياتها
الهجوم غير المسبوق على قطر شكّل نقطة تحوّل في النقاشات الإقليمية والدولية. ففي مؤتمر MEAD بواشنطن، تراجعت قضايا كانت محورية مثل إيران لصالح التركيز على “اندفاع إسرائيلي غير محسوب”.
ووصف مسؤولون أميركيون وخليجيون العملية بأنها انتهاك لسيادة دولة حليفة للولايات المتحدة وتقويض للاستقرار الخليجي.
الرسالة التي تلقاها الوفد الإسرائيلي هناك كانت واضحة: “إسرائيل فقدت عقلها واستراتيجيتها، وأنتم تفقدون أصدقاءكم في كل مكان”.
هذه الكلمات، التي قيلت من حلفاء تقليديين، تعكس حجم الشرخ الآخذ في الاتساع. الأخطر أن الهجوم عزّز الأصوات في واشنطن المطالبة بإنهاء الحرب في غزة سريعًا، حتى بالقوة، لحماية المصالح الأميركية من الانهيار.
ملف الضم: خط أحمر أميركي وخليجي
التحذيرات التي وصلت لإسرائيل بشأن نياتها ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية لا تقل خطورة. مسؤولون أميركيون أوضحوا أن الضم سيكون بمثابة “القاضية” للعلاقة مع الحزب الديمقراطي، فيما بدأ نفور ملحوظ يظهر حتى داخل بعض الدوائر الجمهورية.
من جانب آخر، ربط مسؤولون خليجيون صراحة بين الضم ومستقبل “اتفاقات أبراهام”، مؤكّدين أن أي خطوة أحادية ستؤدي إلى تقويضها وربما التراجع عنها.
هذا التوازن الهش بين الحفاظ على مكاسب التطبيع واندفاعات حكومة نتنياهو اليمينية، يضع إسرائيل أمام خيار صعب: إما الاستمرار في مشروع الضم وخسارة حلفاء استراتيجيين، أو التراجع عن الخطة لتجنّب عزلة عميقة.
التآكل في واشنطن: من الإجماع إلى الخلاف
لطالما اعتمدت إسرائيل على مبدأ “ثنائية الحزب” في الولايات المتحدة لضمان دعم ثابت من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. لكن خلال العقد الأخير، تآكل هذا الإجماع تدريجيًا بفعل سياسات نتنياهو وانحيازه الصريح للجمهوريين.
اليوم، تُظهر استطلاعات للرأي من بيو وغالوب وكوينيبياك أن 37% من الأميركيين يتعاطفون مع الفلسطينيين مقابل 36% مع إسرائيل، وهو أدنى مستوى دعم منذ 2001. نصف الأميركيين تقريبًا يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، و60% يعارضون إرسال مزيد من السلاح لها.
الأخطر أن التحولات الأعمق تحدث بين الأجيال الشابة: نصف الجمهوريين تحت سن الخمسين لديهم آراء سلبية تجاه إسرائيل، بينما 69% من الديمقراطيين باتوا يعارضونها. هذا يعني أن المستقبل السياسي الأميركي يتجه نحو تقليص الدعم، وهو ما سينعكس بالضرورة على الكونغرس وسياسات البيت الأبيض.
أزمة صورة إسرائيل في العالم
تدهور مكانة إسرائيل لا يقتصر على السياسة الأميركية. في أوروبا، تتنامى الدعوات لفرض قيود على صادرات السلاح والتعاون الأكاديمي والثقافي.
في الشرق الأوسط، يزداد التشكيك في جدوى التطبيع مع دولة تمارس سياسات توسعية عدوانية. حتى في الولايات المتحدة، يعترف ترامب نفسه بأن إسرائيل فقدت كثيرًا من قوتها كلوبي ضاغط داخل الكونغرس، قائلاً: “إسرائيل ربما تنتصر في الحرب، لكنها لا تنتصر في العلاقات العامة العالمية”.
هذا الانهيار في “القوة الناعمة” يوازي في خطورته أي تهديد أمني. فمن دون قبول دولي أو شبكة تحالفات، تخسر إسرائيل المجال الحيوي لشرعنة سياساتها العسكرية والاقتصادية، ويُقوَّض وضعها كـ”أمة التكنولوجيا والابتكار”.
ويرى المحللون أن الطريق للخروج من هذه العزلة يبدأ بإنهاء الحرب في غزة، ونقل إدارتها إلى سلطة مؤقتة برعاية دولية وعربية، مقرونة بصفقة تبادل أسرى ووقف الضم الزاحف في الضفة الغربية وكبح عنف المستوطنين، إلى جانب دعم إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية بدل محاولات إسقاطها.
على المستوى الاستراتيجي، يحتاج الإسرائيليون للاختيار بين “رؤية إسبرطة” التي يروّج لها نتنياهو، وتعني الانغلاق والحرب الدائمة، وبين “حلم أثينا” الذي طرحه بن غوريون، والقائم على الاندماج في النظام الدولي كأمة متساوية ذات مكانة أخلاقية وشبكة تحالفات.





