يتزايد الضغط داخل الاتحاد الأوروبي لاتخاذ خطوات ملموسة نحو تقييد أو حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في ظل تصاعد الجدل السياسي والقانوني حول شرعية هذه الأنشطة وتأثيرها على فرص حل الدولتين.
وتتجه عدة دول أوروبية نحو تبني سياسات أكثر تشدداً، مدفوعة بمخاوف من خطط إسرائيلية توسعية يُنظر إليها على أنها تقوض فعلياً احتمالات قيام دولة فلسطينية مستقلة. ويرى خبراء قانونيون أن مسألة حظر التجارة مع المستوطنات ترتبط أساساً بالامتثال للقانون الدولي، بينما يعتبرها سياسيون أداة ضغط لتغيير سلوك إسرائيل في الأراضي المحتلة.
وقالت النائبة الإسبانية في البرلمان الأوروبي هانا جلول إن إقامة علاقات تجارية مع المستوطنات “غير الشرعية” أمر غير مقبول، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي لا يعترف بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة ضمن حدود عام 1967.
وتحتل إسرائيل القدس الشرقية وأجزاء واسعة من الضفة الغربية منذ عام 1967، ويعيش مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين في هذه المناطق، وهو ما يُعد من أبرز العقبات أمام قيام دولة فلسطينية.
وبرزت إسبانيا كقوة دافعة في هذا الاتجاه، حيث أصدرت العام الماضي مرسوماً يحظر التجارة والإعلان عن الخدمات المرتبطة بالمستوطنات، مستندة إلى لوائح أوروبية تسمح باستثناءات لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة. وقد وصفت هذه الخطوة بأنها “إجراء استثنائي” في إطار السياسة التجارية الأوروبية.
اقتصادياً، تبدو المخاطر محدودة نسبياً، إذ تُقدر قيمة التجارة السنوية بين الاتحاد الأوروبي والمستوطنات بنحو 340 مليون يورو، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بحجم التبادل التجاري بين الاتحاد وإسرائيل ككل، حيث يعد الاتحاد أكبر شريك تجاري لتل أبيب.
مع ذلك، يُنظر إلى اتخاذ خطوات فعلية في هذا المجال على أنه تجاوز لما وصفه مراقبون بـ”السقف الزجاجي” الذي لم يتم كسره سابقاً، حيث اكتفى الاتحاد الأوروبي في الماضي بفرض عقوبات على مستوطنين متطرفين دون المساس بالعلاقات التجارية بشكل مباشر.
وقد تزايد الإلحاح الأوروبي مرتبط أيضاً بخطط إسرائيلية لبناء 3400 وحدة سكنية ضمن مشروع “E1″، الذي قد يؤدي إلى تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية، ما يهدد بشكل مباشر حل الدولتين.
كما تصاعدت الانتقادات الأوروبية في ظل استمرار العمليات العسكرية في غزة، وإقرار تشريعات إسرائيلية مثيرة للجدل، بما في ذلك قانون عقوبة الإعدام الذي يُنظر إليه على أنه يستهدف الفلسطينيين بشكل خاص.
وامتد الضغط إلى خارج الاتحاد الأوروبي، حيث دعا دبلوماسيون بريطانيون سابقون حكومتهم إلى تحذير الشركات من المشاركة في مشاريع استيطانية، مؤكدين أن هذه المشاريع تقوض فرص السلام.
وداخل الاتحاد، تعمل عدة دول مثل سلوفينيا وهولندا وأيرلندا وبلجيكا على إعداد تشريعات مماثلة، فيما طلبت دول أخرى توضيحات قانونية بشأن شرعية التجارة مع المستوطنات.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 12 دولة عضو باتت منفتحة على فرض قيود، ما يفتح الباب أمام إمكانية تحقيق أغلبية مؤهلة خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المرتقب.
رغم ذلك، لا تزال الانقسامات قائمة، إذ تعارض بعض الدول مثل ألمانيا وإيطاليا خطوات قد تؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل واسع، ما يعيق التوصل إلى إجماع داخل التكتل.
وتدرس المفوضية الأوروبية خيارات تشمل تعليقاً جزئياً لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وهو ما قد يؤدي إلى إلغاء الامتيازات الجمركية ويكلف الاقتصاد الإسرائيلي نحو 227 مليون يورو سنوياً، إلا أن هذا الخيار يواجه عقبات سياسية كبيرة.
في المقابل، يبقى تأثير هذه الإجراءات على السياسة الإسرائيلية موضع نقاش، حيث يرى بعض المحللين أنها قد تؤدي إلى تعديل محدود في سلوك الحكومة، دون إحداث تغيير جذري في نهج الاستيطان.
وتؤكد منظمات حقوقية أن الاتحاد الأوروبي تأخر في استخدام أدواته للضغط على إسرائيل، ما دفع بعض الدول إلى التحرك بشكل منفرد، في محاولة لفرض التزامات القانون الدولي.





