قالت إسرائيل اليوم الاثنين، إنها ستبدأ انسحابًا تدريجيًا لقواتها من لبنان، ولكن فقط بعد أن يشرع الجيش اللبناني بتنفيذ قرار حكومي يقضي بنزع سلاح حزب الله. وجاء هذا الموقف في بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قبل ساعات من وصول المبعوثين الأميركيين توم باراك ومورغان أورتاغوس إلى بيروت عقب اجتماعات أجرياها في إسرائيل.
وبحسب تقارير إعلامية، مارس المسؤولان الأميركيان ضغوطًا على إسرائيل لتقليص هجماتها في لبنان، معتبرين أن خفض التصعيد العسكري قد يشجع الحكومة اللبنانية على المضي قدمًا في خطتها التاريخية لنزع سلاح حزب الله. ويتزامن ذلك مع الموعد النهائي الذي حددته الحكومة اللبنانية، إذ يتعين على الجيش اللبناني بحلول نهاية الشهر الجاري الإعلان عن آلية تنفيذ قرار التصويت الذي اتخذته الحكومة بشأن نزع السلاح.
لكن البيان الإسرائيلي شدد على أن أي انسحاب لن يحدث إلا بعد بدء الجيش اللبناني التنفيذ العملي للخطة. وجاء في البيان: “إذا اتخذت القوات المسلحة اللبنانية الخطوات اللازمة لتنفيذ نزع سلاح حزب الله، فإن إسرائيل ستتخذ تدابير متبادلة، بما في ذلك خفض تدريجي لوجودها العسكري بالتنسيق مع آلية الأمن التي تقودها الولايات المتحدة”.
وأضاف البيان أن إسرائيل “تعترف بالخطوة المهمة” التي أقدمت عليها الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام للعمل نحو نزع سلاح الحزب بحلول نهاية عام 2025، واصفًا القرار بأنه “مصيري”.
حزب الله يرفض والتهديدات تتصاعد
في المقابل، يرفض حزب الله بشكل قاطع الخطة الحكومية، مؤكدًا أنه لن يقبل بأي نقاش حول نزع سلاحه قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف غاراتها الجوية. وأكد الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، أن مواجهة الحكومة للحزب ستكون “كارثية على لبنان”، متهمًا السلطات بالخضوع لمطالب واشنطن “نيابة عن إسرائيل”.
كما انتقدت مصادر مقربة من الحزب الحكومة لفشلها في استغلال ملف السلاح كورقة تفاوضية للضغط على الولايات المتحدة بشأن قضايا أخرى، من بينها إطلاق سراح سجناء لبنانيين أو دفع إسرائيل للانسحاب من مناطق متنازع عليها.
مصادر عسكرية لبنانية أشارت إلى أن الحزب يستمد ما وصفته بـ”الدعم المعنوي” من المسؤولين الإيرانيين، لا سيما بعد اجتماعات عقدها رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في بيروت مطلع الشهر الجاري.
تحديات أمام الجيش اللبناني
أكد مصدر عسكري رفيع لصحيفة ذا ناشيونال أن “الجيش اللبناني قادر على الوفاء بالموعد النهائي لتقديم الخطة”، مضيفًا أن الهدف هو “ضمان امتلاك مؤسسات الدولة وحدها للسلاح”. وأوضح أن التأخير في التنفيذ سيكون قرارًا سياسيًا بالدرجة الأولى.
ووفقًا للمصادر، فإن الخطة التي يعمل عليها الجيش تتألف من مرحلتين تشملان مناطق شمال وجنوب نهر الليطاني. ويرى مراقبون أن تكليف الجيش بهذه المهمة يمثل تحديًا مباشرًا لاحتكار حزب الله للسلاح ودوره العسكري والسياسي المتجذر في المشهد اللبناني.
من جانبها، تواصل واشنطن الضغط على جميع الأطراف، حيث قدم المبعوث الأميركي توم باراك خارطة طريق واسعة تتضمن ثلاث ركائز: نزع سلاح حزب الله، انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وتجميع السلاح تحت إشراف الدولة قبل نهاية العام الجاري. لكن الولايات المتحدة أوضحت أيضًا أنها قد تجمّد جهود الوساطة في حال عدم التزام بيروت رسميًا بتنفيذ الخطة.
وتتعلق الضغوط الأميركية أيضًا بالمساعدات المالية الدولية. فلبنان، الذي يواجه أزمات اقتصادية خانقة ويحتاج إلى دعم عاجل لإعادة الإعمار بعد الحرب الأخيرة، لن يحصل على المساعدات قبل اتخاذ خطوات ملموسة في ملف نزع سلاح حزب الله.
انقسامات داخل الحكومة اللبنانية
على الرغم من إعلان الرئيس عون ورئيس الوزراء سلام تمسكهما بـ”حق الدولة الحصري في السلاح”، فإن الانقسامات السياسية لا تزال واضحة. فقد انسحب الوزراء الشيعة المتحالفون مع حزب الله وحركة أمل من مداولات الحكومة احتجاجًا على القرار، معتبرين أنه يستهدف مكوّنًا لبنانيًا أساسيًا ويضع البلاد على حافة صراع داخلي.
إلى ذلك، دعا حزب الله وحركة أمل إلى تظاهرة حاشدة يوم الأربعاء في ساحة رياض الصلح ببيروت للتعبير عن رفضهما للخطة الحكومية، في خطوة قد تزيد التوترات السياسية والأمنية.
وفي ظل هذه المعطيات، يترقب اللبنانيون بقلق مسار الأحداث. فبينما تصر إسرائيل على ربط انسحابها ببدء نزع سلاح حزب الله، يرفض الحزب أي تنازل دون ضمانات مقابلة، في حين تحاول الحكومة اللبنانية السير على خيط رفيع بين الضغوط الأميركية والمخاطر الداخلية.
ومع استمرار الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان وتصاعد التوترات الإقليمية، يظل مستقبل الخطة محفوفًا بالمخاطر. وكما قال مصدر عسكري لبناني: “لا يبدو أن حزب الله مستعد لنزع سلاحه دون تنازلات أو ضمانات في المقابل. إنهم يبحثون عن نتيجة”.



