يرى موقع ميدل إيست آي البريطاني، أن الإنجازات العسكرية التي حققتها إسرائيل خلال الحرب الممتدة منذ أكتوبر 2023 لم تنجح في تحويل تفوقها العسكري إلى نفوذ سياسي أو قيادة إقليمية، بل كشفت حدود قدرتها على فرض نظام إقليمي جديد، رغم توسع عملياتها في غزة ولبنان وسوريا وإيران.
ويشير الموقع إلى أن إسرائيل استطاعت، وفق الرواية التي يستعرضها، إلحاق أضرار كبيرة بخصومها، من خلال استهداف البنى العسكرية لحركة حماس وحزب الله، وتوسيع عملياتها داخل عدة ساحات إقليمية، إلا أن هذه المكاسب بقيت محصورة في الإطار العسكري ولم تُترجم إلى قبول سياسي أو قدرة على صياغة قواعد النظام الإقليمي.
ويستند التحليل إلى مفهوم يميز بين التفوق القائم على القوة العسكرية وبين القدرة على القيادة السياسية، معتبراً أن امتلاك أدوات الردع لا يعني بالضرورة امتلاك الشرعية أو القدرة على بناء تحالفات مستقرة تجعل بقية دول المنطقة تنظم مصالحها حول إسرائيل.
وفي البعد الاقتصادي، يرى الموقع أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بقطاع تكنولوجي متطور يمثل أحد أهم مصادر قوتها، حيث تستحوذ الصناعات التقنية على نسبة كبيرة من الاقتصاد والصادرات، كما تستمر الشركات الإسرائيلية في جذب صفقات استحواذ بمليارات الدولارات، خصوصاً في قطاع الأمن السيبراني.
إلا أن الموقع يعتبر أن هذه الإنجازات تعكس اندماج الاقتصاد الإسرائيلي في المنظومة الاقتصادية الأمريكية أكثر مما تعكس استقلالاً اقتصادياً أو قدرة على قيادة الاقتصاد الإقليمي، مشيراً إلى أن الشركات الإسرائيلية تعتمد بصورة كبيرة على الأسواق والاستثمارات الأمريكية، فيما ترتبط بورصة تل أبيب ارتباطاً وثيقاً بالأسواق المالية الأمريكية.
كما يلفت إلى مؤشرات داخلية يراها مقلقة، من بينها تراجع عدد الشركات الناشئة، وانخفاض التوظيف في قطاع التكنولوجيا، إضافة إلى مغادرة آلاف الإسرائيليين، وبينهم متخصصون في التكنولوجيا والبحث العلمي، إلى الخارج خلال العامين الماضيين، معتبراً أن هذا النزيف البشري يهدد الميزة التنافسية التي اعتمدت عليها إسرائيل لعقود.
وفي الجانب العسكري، يشير الموقع إلى أن الحرب مع إيران كشفت حجم الاعتماد الإسرائيلي على الدعم الأمريكي، موضحاً أن الولايات المتحدة اضطرت إلى تشغيل منظومات دفاعها لاعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما استنزفت إسرائيل جزءاً كبيراً من مخزونها الدفاعي خلال فترة قصيرة، وهو ما يعكس، بحسب التحليل، أن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يعمل بمعزل عن المظلة الأمنية الأمريكية.
ويرى الموقع أن هذا الاعتماد لا يقتصر على الدعم العسكري، بل يمتد إلى الدعم السياسي والدبلوماسي، الأمر الذي يجعل إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، غير قادرة على فرض ترتيبات إقليمية منفردة دون الشريك الأمريكي.
ويشير التحليل إلى أن إسرائيل تواجه في المقابل تراجعاً متزايداً في شرعيتها الدولية، مستشهداً بتصاعد الإجراءات القانونية الدولية المتعلقة بالحرب في غزة، واتساع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، إضافة إلى تراجع الصورة الإيجابية لإسرائيل في استطلاعات الرأي داخل عدد من الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة.
كما يلفت الموقع إلى أن غالبية الرأي العام العربي لا تزال ترفض التطبيع مع إسرائيل، بينما تربط دول عربية رئيسية أي تقدم في العلاقات بوجود مسار واضح لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يجعل إسرائيل، وفق التحليل، عاجزة عن فرض رؤيتها السياسية رغم امتلاكها أدوات القوة العسكرية.
وفي الإطار الإقليمي، يرى الموقع أن التحركات الدبلوماسية الأخيرة أظهرت أن إدارة الملفات الكبرى باتت تتم عبر قوى إقليمية أخرى مثل مصر وقطر وتركيا والسعودية وعُمان وباكستان، إلى جانب الولايات المتحدة، بينما بقي الدور الإسرائيلي محدوداً في كثير من الملفات، بما في ذلك المفاوضات المتعلقة بإيران وترتيبات وقف إطلاق النار في غزة.
كما يشير إلى أن مشاريع الطاقة والتجارة كشفت بدورها حدود النفوذ الإسرائيلي، موضحاً أن إغلاق بعض حقول الغاز خلال الحرب أدى إلى تعطيل صادرات الغاز نحو مصر، وهو ما أظهر هشاشة هذا المسار عند تعرضه لضغوط أمنية، في وقت تتوسع فيه مشاريع نقل وتجارة بديلة لا تعتمد على إسرائيل بصورة مباشرة.
ويرى الموقع أن الممرات التجارية الجديدة بين آسيا وأوروبا تشهد تنافساً متزايداً، مع بروز مسارات تمر عبر الخليج وتركيا ومصر والهند، وهو ما قد يقلل مستقبلاً من أهمية إسرائيل كمحور رئيسي في حركة التجارة الإقليمية.
ويخلص موقع ميدل إيست آي إلى أن إسرائيل ما زالت تمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً وقدرة كبيرة على الردع، لكنها لم تنجح في تحويل هذه القوة إلى قيادة سياسية أو شرعية إقليمية، معتبراً أن الفجوة بين التفوق العسكري والنفوذ السياسي تتسع مع استمرار الحرب، وأن مستقبل موقع إسرائيل في المنطقة سيظل مرتبطاً بقدرتها على تجاوز الاعتماد الكبير على الدعم الأمريكي، وبكيفية تشكل شبكات التعاون الإقليمي خلال السنوات المقبلة.





