أعلنت جنوب أفريقيا، إلغاء الإعفاء من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الفلسطينية، في خطوة عكست حجم القلق المتصاعد في بريتوريا إزاء ما وصفته بـ”استغلال ممنهج” للإعفاءات ضمن جهود إسرائيلية تهدف إلى دفع سكان غزة نحو “الهجرة الطوعية”.
وجاء القرار بعد أسابيع من الجدل الذي أثارته رحلة جوية مستأجرة وصلت إلى جوهانسبرغ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، تقل 153 فلسطينياً من القطاع دون استكمال إجراءات السفر الرسمية.
وقالت وزارة الشؤون الداخلية في بيان إن التحقيق أثبت “الإساءة المتعمدة والمستمرة لإعفاء التأشيرة لمدة 90 يوماً” من قبل جهات إسرائيلية، مضيفة أن تلك الشبكات تعمل في إطار “برنامج واضح لنقل الفلسطينيين من غزة تحت غطاء الإجلاء الإنساني”.
وأكدت أن هذه العمليات لم تكن فردية بل جزءاً من مسار متكرر، إذ كشفت مراجعة رحلات سابقة – بينها رحلة في 28 أكتوبر/تشرين الأول تقل 176 فلسطينياً – عن “نمط مستمر من استخدام طائرات مستأجرة يديرها وسطاء، وليس المسافرون أنفسهم”.
وقد اكتسبت القضية زخماً إضافياً عندما كشف التقرير أن أغلب الركاب وصلوا بتذاكر ذهاب فقط، ومنعوا من حمل أمتعتهم الأساسية، ما أثار شكوك السلطات الجنوب أفريقية حول طبيعة الرحلات والجهات المنظمة لها.
كما احتُجز الركاب لساعات داخل الطائرة في مطار جوهانسبرغ بسبب عدم وجود ختم خروج إسرائيلي على جوازاتهم، ما دفع الرئيس سيريل رامافوزا إلى الأمر بتحقيق فوري.
وقال رامافوزا حينها: “هؤلاء ليسوا مسافرين عاديين. هؤلاء سكان غزة تم وضعهم بطريقة غامضة على طائرة مرت عبر نيروبي ثم هبطت هنا، دون أن يكون من الواضح كيف غادروا الأراضي الفلسطينية ومن سمح لهم بذلك”.
والتحقيقات التي أجرتها بريتوريا لم تقتصر على الجانب الإسرائيلي فقط، بل امتدت إلى شبكة الوسطاء الدوليين، ومن ضمنهم جهات إماراتية كانت – بحسب مصادر في الوزارة – في قلب عملية “التسهيل اللوجستي” عبر دبي.
فقد أشارت هيئة الصحة في دبي إلى أنها سمحت بدخول إحدى مجموعات الفلسطينيين بعد تلقي “تأكيدات” من منظمة غير حكومية جنوب أفريقية (Gift of the Givers)، لكن مراجعة السلطات الجنوب أفريقية لرحلاتهم كشفت أن بعض السفرات كانت مُنسقة بالتعاون مع وسطاء على صلة بجهات رسمية.
كما نقلت وسائل إعلام عربية عن مصادر مطلعة أن إحدى الرحلات المستأجرة تم ترتيبها “بتنسيق وثيق مع الجيش الإسرائيلي” عبر وكالة مثيرة للجدل لها نشاط في دبي.
وأثارت هذه المعلومات شكوكاً حول دور غير مباشر لأبوظبي في دعم جهود إسرائيل الرامية إلى تفريغ غزة عبر تسهيل خروج أعداد من الفلسطينيين نحو دول ثالثة، رغم تقديم ذلك في صورة “عمليات إغاثة إنسانية”.
أما القرار الجنوب أفريقي فقد أثار مخاوف واسعة لدى الفلسطينيين الراغبين في السفر، لكنه في الوقت نفسه أعاد تسليط الضوء على الاتهامات المتزايدة للإمارات بدعم مشاريع التهجير الإسرائيلي، سواء عبر تسهيل الرحلات المستأجرة أو فتح مسارات خروج بديلة تمر عبر مطاراتها.
وفي الأشهر الماضية، وجّهت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية انتقادات حادة لأبوظبي، معتبرة أن هذه الأنشطة تساهم – وإن بشكل غير مباشر – في تحقيق أحد أخطر أهداف الحرب: إفراغ غزة من سكانها.
وقالت وزارة الداخلية الجنوب أفريقية إن الهدف من خطوة إلغاء الإعفاء هو “منع استخدام أراضينا كجزء من هندسة سياسية وديموغرافية تجري خارج القانون الدولي”، مضيفة أن البلاد ستواصل استقبال اللاجئين الفلسطينيين “فقط عبر آليات قانونية منظمة وواضحة”.
ورغم التأكيدات الرسمية على أن القرار لا يستهدف الفلسطينيين أنفسهم، فإن بريتوريا شددت على أن “التلاعب الإسرائيلي بتسهيلات السفر” خلق بيئة معقدة يُستغل فيها الضعفاء الهاربون من الحرب لتحقيق أهداف سياسية.
ومع تكشّف مزيد من التفاصيل حول شبكات التنسيق التي تربط الوسطاء الإسرائيليين بنقاط عبور إقليمية، أصبح دور الإمارات في هذه العمليات تحت مجهر النقاش الدولي بشكل متزايد، لا سيما في ظل الاتهامات المتكررة لأبوظبي بأنها تلعب أدواراً رمادية في ملفات حساسة على صلة بالنزاع الفلسطيني–الإسرائيلي.





