تواجه لوكسمبورغ ضغوطا قانونية وسياسية متزايدة بعد اتهامها بتوفير منفذ أوروبي لبيع سندات حكومية إسرائيلية، يقول منتقدون إنها ساعدت في تمويل العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب على غزة.
وأثارت موافقة هيئة تنظيم القطاع المالي في لوكسمبورغ على برنامج “سندات إسرائيل” جدلا واسعا داخل أوروبا، بعد أن أصبحت الدولة الصغيرة مركزا لإتاحة هذه السندات أمام المستثمرين الأفراد في الاتحاد الأوروبي، عقب انسحاب أيرلندا من هذا الدور تحت ضغط سياسي وشعبي.
وبدأت القضية عندما وافقت لجنة مراقبة القطاع المالي في لوكسمبورغ على نشرة إصدار خاصة ببرنامج سندات الشتات الإسرائيلي، الذي تديره مؤسسة التنمية لإسرائيل ومقرها الولايات المتحدة، ما سمح بتسويق هذه السندات داخل الأسواق الأوروبية.
وجاءت الموافقة في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب حرب غزة، ومع تزايد الاتهامات الموجهة لها بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين الفلسطينيين.
وكانت أيرلندا تمثل سابقا الجهة الأوروبية المشرفة على البرنامج عبر بنكها المركزي، قبل أن تؤدي الضغوط البرلمانية والمدنية إلى دفع الجهة المصدرة للبحث عن دولة أوروبية أخرى تتولى هذا الدور.
وانتقلت المسؤولية بعد ذلك إلى لوكسمبورغ، لكن القرار أثار انتقادات بسبب عدم إجراء مشاورات سياسية واسعة قبل الموافقة على ملف شديد الحساسية يرتبط بالحرب الإسرائيلية.
وقالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز إن بيع هذه السندات يمثل مخالفة للقانون الدولي، معتبرة أنها توفر دعما ماليا مباشرا لحرب تواجه اتهامات بالإبادة الجماعية.
وأكدت ألبانيز أن المؤسسات المالية مطالبة بتجنب أي ارتباط بأنشطة قد تسهم في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن تسهيل بيع السندات يطرح إشكاليات قانونية وأخلاقية.
وتقول تقارير قانونية إن سندات إسرائيل تختلف عن السندات الحكومية التقليدية، لأنها تستهدف المستثمرين الأفراد والمنظمات والجاليات عبر حملات تضامن سياسي، وليس فقط المؤسسات المالية الكبرى.
ومنذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلة على غزة، جمعت هذه السندات مليارات الدولارات لصالح الحكومة الإسرائيلية، بينما تؤكد جهات حقوقية أن الأموال تدخل الميزانية العامة الإسرائيلية في وقت ارتفع فيه الإنفاق العسكري بصورة كبيرة.
ويرى مراقبون أن طريقة تسويق السندات ربطتها بشكل مباشر بدعم إسرائيل خلال الحرب، ما جعلها موضع تدقيق أكبر من جانب منظمات حقوقية وخبراء قانونيين.
وكشف تقرير أعده متخصصون في القانون والاقتصاد والتنظيم المالي أن المستثمرين قد لا يحصلون على صورة كاملة عن المخاطر القانونية والسياسية المرتبطة بهذه السندات.
وأوضح التقرير أن تسويق السندات يعتمد بدرجة كبيرة على دوافع سياسية وعاطفية، إذ يقبل بعض المشترين عوائد أقل من المعتاد مقارنة بمخاطر الاستثمار في دولة تخوض حربا.
واستند خبراء قانونيون إلى قرارات محكمة العدل الدولية المتعلقة بالحرب على غزة، مؤكدين أن الدول والمؤسسات مطالبة بعدم تقديم دعم يمكن أن يساعد في استمرار انتهاكات القانون الدولي.
وقالت الباحثة القانونية شهد حموري من منظمة “القانون من أجل فلسطين” إن السماح بتداول هذه السندات داخل الأسواق الأوروبية يمثل، من وجهة نظرها، مساهمة في دعم أنشطة تخالف القانون الدولي.
وتصاعد الضغط داخل لوكسمبورغ بعد تنظيم مؤتمر حقوقي شارك فيه خبراء وبرلمانيون طالبوا بوقف تجديد الموافقات المرتبطة بهذه السندات ومنع استمرار بيعها داخل الاتحاد الأوروبي.
ودعا سياسيون أوروبيون إلى استخدام الأدوات القانونية المتاحة لمنع تجديد الترخيص، مؤكدين أن استقلالية الهيئات التنظيمية المالية لا تعني تجاهل الالتزامات المرتبطة بالقانون الدولي.
في المقابل، دافعت حكومة لوكسمبورغ عن موقفها، مؤكدة أن هيئة تنظيم القطاع المالي مستقلة وأن دورها يقتصر على مراجعة المتطلبات الفنية والقانونية لنشرات الإصدار.
وقالت الهيئة المالية إنها لا تصدر أحكاما سياسية أو أخلاقية بشأن الجهات المصدرة للسندات، بل تتحقق فقط من اكتمال المعلومات المقدمة للمستثمرين.
لكن منظمات حقوقية رفضت هذا التبرير، معتبرة أن الإجراءات المالية لا يمكن فصلها عن مسؤوليات الدول عندما تكون الأموال مرتبطة بصراعات وانتهاكات محتملة.
وتضع القضية لوكسمبورغ أمام اختبار سياسي وقانوني حساس، بين الحفاظ على مكانتها كمركز مالي أوروبي كبير، وبين الضغوط المتزايدة لمنع استخدام الأسواق الأوروبية في دعم آلة الحرب الإسرائيلية.




