في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية معقدة، تعمل الولايات المتحدة على صياغة مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي لإنشاء قوة دولية في قطاع غزة، تتولى إدارة الملف الأمني وتوفير الاستقرار عقب الحرب المدمّرة التي استمرت أكثر من عامين.
وتعكس المبادرة الأميركية التي كشفت عنها مواقع أميركية مثل أكسيوس وسي إن إن، رغبة واشنطن في فرض ترتيبات جديدة على الأرض تحت غطاء الأمم المتحدة، في وقت تبدو فيه إسرائيل عاجزة عن صياغة رؤية مقبولة لإدارة ما بعد الحرب، بينما ترفض حركة حماس أي “وصاية أجنبية”.
ووفق التسريبات الأولية، يمنح القرار المرتقب تفويضًا واسعًا للولايات المتحدة ودول أخرى لحكم غزة موقتًا، وتأمين القطاع عبر قوة تمتد ولايتها لعامين قابلة للتجديد.
وتشمل مهامها، بحسب سي إن إن، نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وتدريب قوة شرطة محلية جديدة، في إطار ما يوصف بـ”إعادة هندسة المشهد الأمني الفلسطيني”.
ويرى مراقبون أن المشروع الأميركي لا يقتصر على إعادة الإعمار أو المساعدات، بل يُعيد تعريف من يملك القرار في غزة، ويحوّلها من منطقة محتلة فعليًا إلى منطقة إدارة دولية مؤقتة، في نموذج يستدعي سوابق من البلقان ومالي والعراق.
الشرعية الدولية كغطاء ضروري
صرح ريتشارد جوان، مدير مكتب الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، بأن سعي واشنطن للحصول على تفويض من مجلس الأمن يعكس إدراكها بأن “أي دولة لن تخاطر بإرسال قوات إلى غزة من دون غطاء قانوني أممي واضح”.
وأضاف أن القوة المزمع إنشاؤها “لن تكون مجرد بعثة حفظ سلام تقليدية، بل مهمة إنفاذ سلام قادرة على استخدام القوة للحفاظ على النظام والتعامل مع الجماعات المسلحة”.
وتشير تصريحات جوان إلى أن الخطة الأميركية قد تتجاوز المألوف في بعثات الأمم المتحدة، لتأخذ شكل قوة تدخل هجومية محدودة تفرض الأمن بالقوة، قبل أن تُسلّم الإدارة لاحقًا إلى بعثة مدنية تتولى إعادة الإعمار والحوكمة.
توازنات القوى داخل مجلس الأمن
لكن المشروع الأميركي سيواجه، وفق مصادر دبلوماسية، عقبات في مجلس الأمن، خاصة من روسيا والصين والجزائر التي ستصرّ على أن تبقى سلطة الإشراف النهائية بيد المجلس لا بيد الولايات المتحدة.
وتخشى هذه الدول من أن يتحول التفويض إلى غطاء لاحتلال جديد بوجه دولي، أو وسيلة لتثبيت نفوذ واشنطن في ملف فلسطيني لطالما مثّل محورًا للتجاذب الدولي.
ويشير دبلوماسيون إلى أن صياغة القرار ستكون اختبارًا دقيقًا للتوازن بين “تفويض دولي” يتيح استخدام القوة، و”ضمان السيادة الفلسطينية” حتى وإن كانت رمزية، وهي معادلة يصعب تمريرها دون توافق سياسي واسع.
وقد أبدت أربع دول إسلامية على الأقل — مصر وتركيا وإندونيسيا وأذربيجان — اهتمامًا بالمشاركة في القوة الجديدة، ما قد يمنح المشروع شرعية عربية وإسلامية محدودة.
وصرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن أنقرة تدرس المشاركة “بمجرد اكتمال الإطار الأممي”، مشيرًا إلى احتمال أن توافق حماس على نقل السيطرة إلى لجنة فلسطينية تدير المرحلة الانتقالية.
من جانبها، أكدت القاهرة عبر وزير خارجيتها بدر عبد العاطي أن أي مشاركة مصرية “مشروطة بتفويض واضح من مجلس الأمن وتحديد مهام دقيقة”، خصوصًا في ما يتعلق بتدريب الشرطة الفلسطينية وضمان أن تكون المهمة لحفظ السلام لا لفرضه.
تباين المواقف الأميركية والإسرائيلية
في المقابل، أشار وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى أن أي قوة دولية في غزة “يجب أن تتكوّن من دول تشعر إسرائيل بالارتياح تجاهها”، ما يعكس الحرص الأميركي على طمأنة تل أبيب وضمان دور إشرافي لها على القوة الدولية المقترحة.
غير أن تل أبيب نفسها تبدو منقسمة؛ فبينما يدعم جناح في الحكومة بقاء وجود عسكري محدود في القطاع إلى حين ضمان “تفكيك البنية التحتية لحماس”، يرى آخرون أن الانسحاب التدريجي تحت مظلة أممية قد يخفف الضغط الدولي ويعيد بعض الشرعية المفقودة لإسرائيل بعد اتهامات الإبادة والحصار.
جدلية “الاستقرار” وواقع الاحتلال
يرى محللون أن جوهر الخطة الأميركية يكمن في إدارة مرحلة ما بعد الحرب دون تمكين أي طرف فلسطيني مستقل، مع الحفاظ على التنسيق الأمني الإسرائيلي. وتبقى التساؤلات قائمة: من سيحكم غزة فعلاً؟ وهل ستكون “القوة الدولية” بديلاً عن الاحتلال أم امتداداً له بوجه ناعم؟
وقد شدد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي على أن الاستقرار سيظل بعيد المنال “ما دامت القوات الإسرائيلية تواصل احتلال أجزاء من القطاع”، داعيًا إلى جدول زمني واضح للانسحاب يتيح للفلسطينيين استعادة إدارة شؤونهم بأنفسهم.
وفي ظل غياب توافق فلسطيني داخلي وانعدام الثقة بين الأطراف، يُخشى أن تتحول القوة الدولية المقترحة إلى كيان إداري عسكري طويل الأمد، يعمّق الانقسام ويؤجل الحل السياسي النهائي.
ومع استمرار تبادل الاتهامات بين إسرائيل وحماس بخرق وقف إطلاق النار، تبدو الأرض مهيأة لمزيد من التصعيد أو لتسوية قسرية تتخذ شكلاً دوليًا دون مضمون وطني.
التحرك الأميركي في مجلس الأمن، مهما اتخذ من طابع إنساني أو أمني، يعيد طرح السؤال الأعمق: هل يهدف إلى استقرار غزة فعلاً، أم إلى إعادة تشكيلها بما يخدم معادلات القوة الإقليمية والدولية؟.





