Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أهم الأنباءفلسطين

أهالي غزة يلاحقون المفقودين: بحث مرير في صور الجثث وإحباط لوجستي في تحديد الهوية

4 نوفمبر، 2025

في قاعة بسيطة بمجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة، تختلط الحماسة بالألم. تجلس عشرات الأمهات والزوجات في الصفوف الأمامية بصمتٍ قاتم، بينما يقف الآباء والإخوة متكئين على الجدران، تتجه أنظارهم جميعًا إلى شاشة تعرض صورًا لجثث متحللة جزئيًا — بقايا قد تكون لأحبائهم المفقودين.

تدعو السلطات المحلية العائلات لمراجعة الصور على أمل التعرف على من فقدوا أثرهم منذ بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية. ولكن غياب قدرات الطب الشرعي الحديثة في القطاع، نتيجة الدمار الممنهج ونقص التجهيزات الطبية، أجبر مكاتب الصحة على عرض صور الجثث فقط كخيار وحيد أمام الأهالي لتحقيق أدنى شكل من أشكال الهوية.

من بين الباحثين عن إجابات، تبرز قصة وفاء العالول، أم تبحث عن ابنها محمد (45 عامًا) الذي اختفى في سبتمبر/أيلول الماضي بعدما خرج للبحث عن مواد بناء مؤقتة لعائلته النازحة.

تقول العالول التي كانت تتلقى العلاج في مصر إنها أمضت ساعات في التدقيق بصور الجثث التي نشرتها وزارة الصحة الفلسطينية على الإنترنت، تبحث عن أي تفصيلة — الشعر، اليد، الحذاء — وقد خيم عليها اليأس مرارًا. “أبحث عن وجهه بين الجثث”، تقول، قبل أن تضيف بحزن: “أحيانًا أريد أن أراه حيًا بين قوائم المعتقلين، وأحيانًا أخاف أن أراه ميتًا”.

وفي إطار صفقة لتبادل الأسرى، سلمت إسرائيل جثثًا تحمل آثار تعذيب وتحللًا واضحًا إلى الفلسطينيين. وحتى الآن، أُعيدت نحو 270 جثة، لكن التعرف على الهوية لم يتجاوز 78 حالة فقط، بحسب الجهات المحلية. العديد من الجثث وصلت مقيدة الأيدي أو معصوبة الأعين، وبعضها ناقص الأطراف أو متحلل لدرجة تحجب الملامح.

وقد جعلت الأوضاع الصحية واللوجستية في غزة مسألة تحديد الهوية شاقة للغاية. تقول منظمة الصحة العالمية إن أكثر من 92% من منظومة الرعاية الصحية في القطاع قد دُمرت، بما في ذلك قدرات الطب الشرعي الحيوية.

ويضيف الدكتور أحمد ظاهر، رئيس قسم الطب الشرعي بمستشفى ناصر، أن النقص الحاد في معدات فحص الحمض النووي ومختبرات الأنسجة أجبرهم على اللجوء إلى “أساليب بدائية” لتوثيق الرفات: تسجيل السمات المميزة، الملابس، الأحذية، والإصابات الظاهرة، ثم تصويرها ونشرها على الإنترنت لتتيح للعائلات البحث والتعرف.

ووصف ضاهر مشاهد العائلات التي تحاول التعرف على أحبائها بـ”المأساوي”.

كما أن الحصار المستمر ومنع دخول التجهيزات الطبية أعاق وصول معدات فحص الحمض النووي الأساسية، ما حرم الأهالي من الوسيلة الأكيدة لتحديد المصير. إضافة إلى ذلك، وصلت بعض الجثث في حالات متقدمة من التعفن أو ما يعرف بشمع الجثة، أو بعد تعرضها لتجميد شديد شوّه الملامح، مما يزيد من صعوبة التعرف البصري وحتى التشريحي.

وتشير تقديرات إلى وجود آلاف المفقودين: تُقدّر أرقام الجهات المحلية بأن نحو 10 آلاف شخص ما زالوا في عداد المفقودين منذ بدء الحملة العسكرية، ويُعتقد أن معظمهم مدفونون تحت الأنقاض.

وفي المقابل، يشير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى أن نحو 2,700 فلسطيني يظلّون مختفين قسريًا في السجون الإسرائيلية، بلا معلومات عن مصيرهم.

وتثير حالات الجثث التي تظهر عليها علامات التعذيب اتهامات خطيرة؛ إذ يقول ضاهر إن كثيرًا من الرفات حملت “كدمات شديدة ونزيفًا يتوافق مع إساءة مميتة”، وأن بعض الإصابات الظاهرة توصل إلى احتمال تعرض الضحايا للاختناق أو التعذيب قبل الوفاة.

وفي المقابل، يمنع البرد الشديد أو سوء حالة الجثث إجراء تشريح شامل يوضح أسباب الوفاة بدقة.

في ظل هذه الظروف، تضطر العائلات للتشبث بكل بصيص أمل — صورة فوتوغرافية، قطعة ملابس، أو علامة مميزة — لتخطّ مكانًا دفينًا أو لقبور مؤقتة قد تُثبت لاحقًا عبر اختبارات الحمض النووي.

وقد دُفن عشرات من الرفات في مقابر جماعية بعد انقضاء المهلة القانونية لتحديد الهوية، مع وعود بتسجيل مواقعها ورسم خرائط للمقابر للرجوع إليها مستقبلًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى