أقرّ المجمع العام لكنيسة إنجلترا، بأغلبية الأساقفة ورجال الدين والعلمانيين، مقترحًا يقضي بالاستماع رسميًا إلى وثيقة “كيروس فلسطين 2” التي أعدها قادة مسيحيون فلسطينيون، وتصف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بأنها “حرب إبادة جماعية”، في خطوة رحب بها مسيحيون فلسطينيون، بينما أثارت اعتراضات وتحذيرات من قيادات ومنظمات يهودية في بريطانيا، وفق ما أوردته صحيفة الغارديان.
وجاء التصويت خلال جلسات المجمع العام للكنيسة الأسبوع الماضي، بعد تعديل نص المقترح من طلب “استلام” الوثيقة إلى “الاستماع” إليها، في خطوة قالت قيادات كنسية إنها تهدف إلى الإصغاء إلى شهادات وتجارب المسيحيين الفلسطينيين دون أن يعني ذلك تبني جميع مضامين التقرير.
ووصف الكاهن الأنغليكاني الفلسطيني الأب فادي دياب، أحد المشاركين في إعداد الوثيقة، لحظة التصويت بأنها “مؤثرة للغاية”، مشيرًا إلى أنها حملت رسالة مفادها أن الكنيسة تستمع إلى أصوات المسيحيين الفلسطينيين وتتضامن مع معاناتهم.
وقال دياب إن كثيرًا من المسيحيين الفلسطينيين اعتبروا التصويت تحولًا مهمًا في تعامل كنيسة إنجلترا مع قضيتهم، بعد سنوات من الشعور بأن أصواتهم لم تحظ بالاهتمام الكافي داخل المؤسسات الكنسية الغربية.
ويحمل تقرير “كيروس فلسطين 2” عنوان “لحظة الحقيقة: الإيمان في زمن الإبادة الجماعية”، وقد نشره العام الماضي قادة مسيحيون فلسطينيون من طوائف مختلفة، داعين إلى استجابة مسيحية دولية لما وصفوه بالحرب على غزة واستمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
وتستخدم الوثيقة مصطلحات مثل “الإبادة الجماعية” و”الفصل العنصري” و”الاستعمار الاستيطاني” لوصف السياسات الإسرائيلية، وهو ما أثار اعتراضات واسعة من منظمات يهودية اعتبرت أن التقرير يتجاوز انتقاد الحكومة الإسرائيلية ليطعن في الصهيونية والعلاقة التاريخية لليهود بالأرض.
وخلال المناقشات، أكدت رئيسة أساقفة كانتربري، سارة مولالي، أن قرار الاستماع إلى الوثيقة لا يعني الموافقة على جميع ما ورد فيها، وإنما يعكس التزام الكنيسة بالإنصات إلى معاناة المسيحيين الفلسطينيين والتضامن معهم في ظل الظروف التي يعيشونها.
وقالت مولالي إن الإصغاء إلى شهادات الفلسطينيين يأتي انطلاقًا من التعاطف مع ما يواجهونه من مظالم، وليس باعتباره تبنيًا كاملاً لمحتوى الوثيقة.
وقبيل التصويت، دعا مجلس نواب اليهود البريطانيين أعضاء المجمع إلى رفض التقرير، معتبراً أنه يقوض جهود مكافحة معاداة السامية، فيما حذر الحاخام الأكبر في المملكة المتحدة السير إفرايم ميرفيس، إلى جانب قيادات في التيار اليهودي التقدمي، من أن اعتماد الوثيقة قد يلحق ضررًا بالعلاقات المسيحية اليهودية التي بُنيت على مدى عقود.
وقالت الحاخامة تشارلي باغينسكي، الرئيسة المشاركة لليهودية التقدمية، إنها تؤيد الاستماع إلى أصوات المسيحيين الفلسطينيين، لكنها ترى أن الوثيقة تتضمن، بحسب وصفها، صورًا نمطية معادية للسامية وتغفل التجربة التاريخية والدينية لليهود في علاقتهم بالأرض.
وأضافت أن الاعتراض لا يتعلق بمنح الفلسطينيين مساحة للتعبير عن معاناتهم، وإنما بطريقة عرض القضية واللغة المستخدمة في الوثيقة، معتبرة أنها قد تؤدي إلى إغلاق أبواب الحوار بين أتباع الديانتين.
من جهتها، أعربت المديرة المشاركة لمجلس المسيحيين واليهود في بريطانيا، جورجينا باي، عن تفهمها للظروف التي دفعت إلى إعداد التقرير، لكنها أبدت قلقها من استخدام بعض المصطلحات التي وصفتها بأنها تفتقر إلى الدقة، معتبرة أن الوثيقة تعكس وجهة نظر واحدة في قضية معقدة تتطلب الاستماع إلى روايات متعددة.
وأكدت أن التعديل الذي استبدل كلمة “استلام” بـ”الاستماع” ساعد في تخفيف حدة الخلاف، مشيرة إلى أهمية مواصلة الحوار بين مختلف الأطراف.
بدوره، وصف القس ريتشارد سيويل، ممثل كنيسة إنجلترا لدى الطائفة الأنغليكانية في القدس، التقرير بأنه “صرخة استغاثة” من الكنائس في فلسطين وإسرائيل، مؤكداً أن الكنيسة البريطانية تتحمل مسؤولية الاستماع مباشرة إلى المسيحيين الذين يعيشون في المنطقة.
وأشار إلى أن زيارة رئيسة الأساقفة سارة مولالي الأخيرة إلى الضفة الغربية، ولقاءها بالمجتمع المسيحي في بيرزيت، تركت أثرًا إيجابيًا لدى المسيحيين الفلسطينيين، خاصة في ظل الظروف الأمنية والسياسية المعقدة.
وخلال مناقشات المجمع، قالت مولالي إنها شاهدت خلال زيارتها توسع المستوطنات الإسرائيلية بوتيرة غير مسبوقة، محذرة من أن بعض القرى الفلسطينية، بما فيها قرى مسيحية، باتت مهددة بالاندثار، داعية إلى تضامن دولي أكثر فاعلية مع الفلسطينيين.
وفي المقابل، دافع الأب فادي دياب عن اللغة المستخدمة في تقرير “كيروس فلسطين 2″، مؤكداً أن المصطلحات الواردة فيه تستند إلى تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية، وأنها تعكس، بحسب رأيه، الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال.
وأضاف أن الهدف من الوثيقة هو كسر الصمت الدولي ودعوة العالم إلى الاستماع إلى معاناة الفلسطينيين، مشجعًا على زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة للاطلاع بصورة مباشرة على الأوضاع التي يعيشها السكان تحت الاحتلال.





