بينما يتردد صدى الانفجارات في الأرجاء، تسود أجنحة الأطفال حديثي الولادة في مستشفيات غزة سكينة مشوبة بالقلق.
لكن هذه السكينة تخفي مأساة تتفاقم كل ساعة: مئات الرضّع، الخُدّج وحديثو الولادة، يواجهون خطر الموت بسبب النفاد الكامل لحليب الأطفال الصناعي، مع استمرار الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
وأطلق الدكتور أحمد الفرا، مدير قسم الأطفال والأمومة في مجمع ناصر الطبي في خان يونس، تحذيرًا صارخًا: “بعد أقل من 36 ساعة قد نبدأ بفقدان المواليد الجدد”.
وبحسب الفرا، لم تعد المستشفيات تمتلك أي إمدادات من الحليب الصناعي أو الأغذية العلاجية المتخصصة.
وأضاف: “حياة العشرات من الرضّع في خطر شديد إذا لم تُعالج هذه الأزمة فورًا. نحن نخوض سباقًا مع الزمن أمام كارثة طبية وإنسانية”.
لا مستشفيات ولا حليب
الوضع في مستشفى الرنتيسي في مدينة غزة – الذي يُعد اليوم المركز الطبي الرئيسي للأطفال في القطاع – ليس أفضل حالًا. الدكتور جميل علي، مدير المستشفى، قال إن الرفوف فارغة تمامًا.
وأوضح “لا نملك علبة حليب واحدة. يوميًا نستقبل أطفالًا يعانون من سوء التغذية، التهابات معوية، أمراض مرتبطة مباشرةً بنقص الغذاء والدواء”.
وأكد أن مستشفاه وجّه عشرات النداءات إلى منظمات الإغاثة ووكالات الأمم المتحدة، لكن دون أي استجابة فعالة.
وتابع “هذه ليست أزمة، إنها انهيار شامل لمنظومة الرعاية الصحية. أطفال غزة يموتون بصمت”.
مجاعة تحاصر الرُضّع
رحاب الأسطل، أمّ لطفل يبلغ من العمر ستة أشهر، تمثّل نموذجًا لمعاناة عشرات آلاف الأمهات في غزة: “بحثت في كل مكان، ولم أجد شيئًا. ابني يعتمد كليًا على الحليب الصناعي. أخذته مرتين إلى المستشفى، وأخبروني أنه على وشك الإصابة بسوء التغذية”.
حتى البدائل البسيطة مثل دقيق الشوفان أو الحبوب الجاهزة اختفت من الأسواق. أما الرضاعة الطبيعية، التي تُعد بديلًا نظريًا، فهي غير متاحة للعديد من الأمهات بسبب سوء التغذية ونقص المياه.
رحاب تقول بمرارة: “ليس لديّ ما يكفي من الطعام حتى أُرضع طفلي. هذه ليست كماليات. نحن نتحدث عن حياة بشر”.
“كيف تُسكت رضيعًا لا يجد الحليب؟”
لؤي أبو سلطان (27 عامًا)، من سكان الشيخ رضوان وسط غزة، يتحدث عن ابنه محمد، البالغ ثمانية أشهر، والذي وُلد خلال الحرب: “حلمت بالاحتفال به، لكن بدلًا من ذلك أراه جائعًا. نحن الكبار نستطيع أن نتحمّل، لكن الرضيع لا يستطيع. كيف تشرح له أنه لا يوجد حليب؟ كيف تسكته؟”.
زوجته، المنهكة من شهور من الحصار وسوء التغذية، غير قادرة على الإرضاع. ويقول: “نتنقّل بين الصيدليات والمستشفيات بحثًا عن علبة حليب، لكن دون جدوى. الوضع يفوق قدرتنا على التحمل”.
“مجزرة صامتة”: تحذيرات طبية وإنسانية
منظمة أطباء بلا حدود أكدت أن ما يجري في غزة لا يُعد مجرد أزمة طبية، بل هو نتيجة لتدمير ممنهج للقطاع الصحي بأكمله.
وقال الأمين العام للمنظمة كريستوفر لوكيير “نحن لا نتحدث عن نظام صحي مهدد، بل عن نظام صحي تم تفكيكه واستهدافه عمدًا. ما يحدث هو تطهير عرقي بصمت”.
وأضاف أن الحل لن يكون طبيًا فقط، بل سياسيًا بالأساس، داعيًا الدول إلى استخدام الضغط السياسي والدبلوماسي لوقف هذه الكارثة الإنسانية.
ومنذ مارس/آذار الماضي، شدّدت إسرائيل حصارها على قطاع غزة، مغلقة جميع المعابر التي كانت تسمح بدخول الإمدادات الإنسانية، بما فيها الحليب الصناعي. ومع توقف دخول الوقود، انهارت محطات تحلية المياه، مما زاد من صعوبة الرضاعة الطبيعية حتى لدى الأمهات القادرات جسديًا.
وتشير تقارير طبية إلى أن أكثر من 90% من الأطفال في القطاع لا يحصلون على الحد الأدنى من الغذاء اليومي اللازم لنموهم. الأطباء يحذرون من أن عدداً منهم بدأ يُظهر أعراض الجفاف الشديد، ما يهدد حياتهم خلال أيام.
الدكتور الفرا يختصر المأساة بقوله: “هذه مجزرة صامتة. ليست بسبب الصواريخ، بل بسبب الإهمال، والحصار، والتقاعس الدولي. لا يوجد شيء أكثر فتكًا من أن يُترك رضيع ليموت جوعًا على سرير بارد دون أن يتحرك أحد”.
وفي وقت لا تزال فيه القنابل تنهمر على غزة، هناك معركة لا تقل فتكًا تدور داخل أجنحة حديثي الولادة: معركة الحياة ضد الجوع. الرُضّع في غزة لا يعرفون الحرب، ولا السياسة، ولا الحدود – لكنهم يدفعون ثمنها.
الأطباء والأهالي يناشدون العالم: “أرسلوا الحليب… أنقذوا الأطفال. لا تتركوا غزة تموت مرتين، مرة بالقنابل، ومرة بالجوع.”





