يترك الحصار الإسرائيلي المشدد أطفال غزة بلا حماية في مواجهة شلل الأطفال في وقت يؤكد مسؤولون صحيون أن منع دخول شحنات اللقاحات يفسد سنوات من العمل للقضاء على المرض.
وتجلس أمل جاسر في خيمة مؤقتة في بيت لاهيا، شمال غزة ، مع أطفالها الثلاثة الصغار – محمد وأيمن وصبا – متجمعين بجانبها.
وتقول أمل “لقد فاتتهم الجرعة الثانية من لقاح شلل الأطفال. هذه الجرعة الثانية ضرورية. بدونها، تفقد الجرعة الأولى مفعولها”.
ومثل عشرات الآلاف من العائلات في غزة، فإن قصة السيدة جاسر منذ بدء الحرب في القطاع الفلسطيني هي قصة نزوح وحرمان والآن تهديد وشيك بالمرض.
ووفقًا لوزارة الصحة المحلية، يُواجه أكثر من 600 ألف طفل في غزة خطر الإصابة بشلل الأطفال، إذ تواصل السلطات الإسرائيلية منع دخول اللقاحات إلى القطاع المحاصر.
ويهدد الحصار المفروض منذ أوائل مارس/آذار، والذي يمنع أيضًا إيصال الغذاء والماء والإمدادات الطبية، بعكس مسار التقدم الذي أحرزته حملة التطعيم ضد شلل الأطفال في غزة على مدار أشهر.
وافقت إسرائيل أواخر العام الماضي على وقف مؤقت لحربها ضد حماس للسماح للأمم المتحدة والعاملين الآخرين في مجال الصحة بإطلاق حملة تطعيم ضد شلل الأطفال، بعد أسابيع من إصابة طفل يبلغ من العمر 11 شهراً في وسط غزة، وهو أول حالة مؤكدة للمرض منذ إعلان القضاء عليه في الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل 25 عاماً.
وأعلن أن الجولة الأولى من التطعيمات في سبتمبر/أيلول، والتي كانت تهدف إلى الوصول إلى 640 ألف طفل في سن العاشرة وما دون، حققت نجاحا كبيرا، وتبعتها جولة ثانية في الشهر التالي، وجولة ثالثة في فبراير/شباط.
ولكن تم تعليق الخطط لتنفيذ المرحلة الرابعة من الحملة بعد أن فرضت إسرائيل حصارها الكامل في الثاني من مارس/آذار.
قال الدكتور خليل الدقران، المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة: “نحن على شفا كارثة صحية. تمنع سلطات الاحتلال دخول اللقاحات، ولم تتمكن المنظمات الدولية حتى الآن من الضغط عليها للتراجع عن هذا القرار. هذا ليس مجرد تعطيل لحملة، بل هو هدم لسنوات من العمل الوقائي”.
وذكر الدقران أن النظام الصحي نفسه، المُنهك أصلًا بسبب الحرب، يُعاني من شلل مُمنهج بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على المساعدات.
وأضاف: “الأطفال محرومون من التطعيمات. الأدوية والإمدادات تتضاءل. قدرتنا على علاج المصابين والسيطرة على تفشي الأمراض تتلاشى”.
ومن بين الأكثر تضررا مئات الآلاف من الأسر النازحة التي تعيش في الخيام في رفح وخان يونس في جنوب قطاع غزة، وفي الشمال.
ووصف محمد أبو شعر، الذي لجأت عائلته إلى المواصي في خان يونس، كيف فقد السيطرة على كل شيء، بما في ذلك جدول التطعيمات لأطفاله، بعد فراره من الهجمات الإسرائيلية المتجددة على رفح الشهر الماضي.
وقال أبو شعر (37 عامًا) “ذهبتُ بعد أسبوعين من فرارنا لأسأل عن اللقاحات. أخبروني أنها غير موجودة. إسرائيل منعت وصولها منذ إغلاق المعابر. إنها جريمة تُضاف إلى كل شيء آخر”.
وأضاف: “يقولون إنهم يمنعون الطعام والماء لمنع حماس، ولكن ما عذرهم في اللقاحات؟ لا مبرر لحرمان الأطفال من الدواء”.
وشلل الأطفال، وهو فيروس قد يسبب شللًا لا رجعة فيه ووفاة، قد تم القضاء عليه إلى حد كبير في أنحاء كثيرة من العالم بفضل برامج التطعيم الشاملة.
أما في مناطق الحرب، حيث تنهار مرافق الصرف الصحي وينعدم الوصول إلى الرعاية الصحية، فقد يعاود المرض الظهور بسرعة.
وقال الدقران: “يعيش أطفال غزة في ظروف تجعلهم أكثر عرضة للخطر. فالمياه الملوثة والنزوح المتكرر وسوء التغذية خلقت وضعًا كارثيًا”.
وقد عادت عائلة جاسر إلى بيت لاهيا خلال وقف إطلاق نار قصير أواخر العام الماضي، على أمل العثور على مراكز صحية عاملة. قالت: “كانت المستشفيات قد بدأت للتو بالعمل. كنا ننتظر وصول اللقاحات. ثم أغلقت إسرائيل المعابر مجددًا. تلاشى معها أمن أطفالنا”.
وفي حين دعت منظمة الصحة العالمية وهيئات أخرى إلى إتاحة وصول إنساني دون عوائق، لم ينجح أي منها حتى الآن في إجبار إسرائيل على ذلك.
فقد أدى الحصار المستمر إلى خنق البنية التحتية للرعاية الصحية في غزة، والتي أضعفتها بالفعل سنوات الحصار وأكثر من 18 شهرًا من الحرب.
وتقول أمل “على العالم أن يفهم أننا لا نموت من القنابل فحسب، بل نموت ببطء بسبب كل ما يُحرمنا منه، مثل اللقاحات التي يُفترض أن تكون حقًّا أساسيًا”.
ويضمن القانون الإنساني الدولي للمدنيين الحصول على الرعاية الطبية أثناء النزاع. ويُعتبر حرمانهم من اللقاحات، وخاصةً للأطفال، انتهاكًا لهذه المبادئ. ومع ذلك، تبقى هذه الحماية نظريةً بالنسبة لسكان غزة.
قال الدقران: “كل طفل يفوت جرعة لقاح هو رمز لهذا الظلم. هذه حربٌ لا تستهدف الناس فحسب، بل تستهدف مستقبلهم أيضًا”.
ومع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الصيف، الذي يُعدّ عادةً موسم ذروة انتشار الأمراض المنقولة بالمياه وانتقال الفيروسات، يتزايد خطر حدوث أزمة صحية شاملة. وفي حال عدم اتخاذ إجراءات فورية لاستعادة إمدادات اللقاحات، يخشى مسؤولو الصحة حدوث الأسوأ.





