قد يشكّل هذا الأسبوع منعطفًا تاريخيًا في مسار دبلوماسية الشرق الأوسط، مع بروز تمايز حاد في المواقف الدولية تجاه مستقبل غزة والضفة الغربية، خاصة في ظل مؤشرات على نهاية قريبة للحرب، وتزايد وعي الداعمين لحل الدولتين بأن الوقت لم يعد في صالحهم.
فقد تعهّد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بعد تردد طويل، بأن المملكة المتحدة ستعترف رسميًا بدولة فلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، إذا لم تستجب إسرائيل لمجموعة من الشروط. ورغم أن هذا التعهّد لا يزال مشروطًا، فإنه يكشف عن تحوّل ملحوظ في موقف بريطانيا، التي لطالما استخدمت “ورقة الاعتراف” كورقة تفاوض مؤجلة، معتبرة أنها تملك بها نفوذًا في الشرق الأوسط.
لكن مع تسارع الأحداث، يدرك من تبقّى من أنصار حل الدولتين – سواء في نيويورك أو بروكسل أو برلين أو حتى في أوساط دبلوماسية إسرائيلية سابقة – أن رؤيتهم قد تنهار قريبًا تحت ضغط السياسة الإسرائيلية الراهنة بقيادة بنيامين نتنياهو ووزير ماليته بتسلئيل سموتريتش، مدعومين ضمنيًا من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
بين التعايش… والترحيل القسري
لم يعد الخيار المطروح نظريًا. ما يتبلور اليوم هو معادلة قاسية: إما التعايش في إطار دولتين، أو التمهيد لطرد قسري لآلاف الفلسطينيين من أراضيهم. ويبدو أن حكومة نتنياهو لا تخفي طموحاتها. فقد أعلن سموتريتش صراحة أن “إعادة إنشاء مستوطنات في غزة” لم تعد مجرد حلم أيديولوجي، بل أصبحت “خطة عمل واقعية”. ووصف غزة بأنها “جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل”، كما ألمح نتنياهو إلى احتمال البدء في ضم أجزاء من القطاع في حال لم توافق حماس على شروطه لوقف إطلاق النار.
أما في الضفة الغربية، فقد أوضح سموتريتش أن إسرائيل تعمل بالفعل على “فرض السيادة بحكم الأمر الواقع”، وتنفيذ تغييرات بنيوية تشمل تنظيم البناء، تغيير النظام القائم، وتوسيع شبكة الطرق الاستيطانية. ويتوقع أن يُعلن “الضم الرسمي” خلال الدورة الحكومية الحالية.
إعلان نيويورك: محاولة أخيرة للإنقاذ
ضمن هذا السياق المتأزم، جاء مؤتمر نيويورك الذي شاركت في رئاسته كلّ من فرنسا والسعودية، كمحاولة لتقديم رؤية مضادة. فقد أُطلق خلاله “إعلان نيويورك”، وهو وثيقة من سبع صفحات تطرح خارطة طريق لحل الدولتين، تشمل وقف الحرب، وتشكيل لجنة إدارية مؤقتة لإدارة غزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية، بمشاركة دولية، ومهمة استقرار دولية بتفويض من مجلس الأمن.
الإعلان شدّد على أن “غزة والضفة الغربية يشكّلان معًا الدولة الفلسطينية”، ودعا إلى نزع سلاح حماس، وتسليم إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية، في إطار عملية سياسية جديدة تشارك فيها الدول العربية والأوروبية.
قبل المؤتمر، سلّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسالة من نظيره الفلسطيني محمود عباس، تعهّد فيها الأخير بإجراء انتخابات رئاسية خلال عام، بما في ذلك في القدس الشرقية. وأكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى أن “حماس يجب أن تتنحى جانبًا”.
بريطانيا: التحرك المتأخر
رغم أن تعهّد كير ستارمر قوبل بترحيب في نيويورك، فقد وُجّهت له انتقادات محلية حادة. فعلى اليسار، اتُّهم بأنه طرح الاعتراف كـ”عقوبة على إسرائيل” أكثر منه دعمًا لمطلب فلسطيني مشروع، كما أن رفضه التنسيق مع فرنسا أضعف موقفه أمام تمرد داخلي في حزبه.
لكن رغم ذلك، فإن ربط الاعتراف بالشروط يُفسّر الآن على أنه آخر بقايا الحذر البريطاني التقليدي، وسط واقع سياسي متسارع. ومع رفض إسرائيل للشروط البريطانية، أصبح الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين في سبتمبر شبه مؤكد.
أوروبا تنفد صبرًا… وأميركا تشهد انقسامًا
في بروكسل وبرلين، تتزايد المؤشرات على نفاد الصبر مع حكومة نتنياهو، حتى وإن لم تتفق العواصم الأوروبية بعد على طبيعة الرد أو العقوبات الممكنة. أما في الولايات المتحدة، فقد أظهر استطلاع حديث لمؤسسة “غالوب” أن فقط 8% من الديمقراطيين يؤيدون الاستراتيجية الإسرائيلية الراهنة.
هذه النسبة الصادمة تعكس تغيرًا جذريًا في المزاج الأميركي، خاصة بين الأجيال الشابة، وتزيد من الضغوط على أي إدارة أميركية مقبلة – حتى لو كانت جمهورية – لإعادة النظر في الدعم غير المشروط لإسرائيل.
هل تنجح الضغوط في كبح نتنياهو؟
يرى محللون أن أحد أدوار الحلفاء الغربيين المؤيدين لإسرائيل هو التدخّل أحيانًا “لإنقاذها من نفسها”، على حدّ تعبير المستشار السابق أموس هوكستين. وبينما تبدو تصريحات ترامب الأخيرة عن المجاعة في غزة وكأنها نابعة من تأثر بصري أكثر منها تحليل سياسي، فإنها قد تكون أول إشارة على تحوّل ما.
في نهاية المطاف، يدرك دبلوماسيون غربيون أن الوقت يضيق. فإما يُستثمر الزخم الناجم عن مؤتمر نيويورك والتحولات الشعبية في الغرب لصياغة حل سياسي متوازن، أو يُترك المجال مفتوحًا أمام إسرائيل لمواصلة مسار الضم والتوسع إلى أن يُقبر حلّ الدولتين بالكامل.





