كشفت والدة ضابط إسرائيلي كبير يخدم في قطاع غزة، في تصريحات لهيئة البث الإسرائيلية (كان)، عن حالة من العصيان الواسع في صفوف الجيش الإسرائيلي داخل القطاع، مؤكدة أن كثيراً من الجنود يطالبون بالمغادرة بعد أشهر طويلة من القتال، وسط أوضاع نفسية وصحية صعبة.
وقالت الأم، التي لم تُذكر هويتها لدواعٍ أمنية وإعلامية، إن ابنها الضابط أبلغها أن الجنود يعيشون أوضاعاً صعبة للغاية، لافتة إلى أنهم يعانون من إصابات متنوعة وأمراض جسدية ونفسية، وأن معنوياتهم تتراجع بشدة مع استمرار العمليات العسكرية دون أفق واضح.
وأضافت: “ابني يقول إنه شارك بعشرات الجنائز وشاهد أشلاء جنود في ساحات القتال. الوضع أصبح لا يُطاق. نحن الأمهات نناشد جميع الأمهات الأخريات الانضمام إلينا للمطالبة بإعادة أبنائنا الجنود من غزة”.
شهادات ميدانية مرعبة
بحسب ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية، أوضحت الأم أن ابنها الضابط تحدث عن مشاهد “مروعة” داخل غزة، حيث تشيع الجنائز بشكل شبه يومي، وسط فقدان واضح للحماسة التي رافقت الجيش في الأسابيع الأولى للعملية العسكرية.
وقالت الأم: “الجنود ينهارون نفسياً. لا أحد يتوقع إلى متى سيبقون هناك، وهم يشعرون أنهم يقاتلون في دائرة مغلقة لا نهاية لها، دون تحقيق الأهداف التي وُعدوا بها”.
وأكدت الأم أن عدداً من الجنود في وحدة ابنها تحدثوا بشكل علني عن رغبتهم في إنهاء خدمتهم أو نقلهم خارج القطاع، ورفضوا تلقي أوامر بالمشاركة في عمليات جديدة.
مخاوف من تأثير العصيان على الجبهة
أثارت هذه التصريحات حالة من الجدل في الأوساط الإسرائيلية، إذ أشار محللون عسكريون في قنوات التلفزة العبرية إلى أن أي عصيان واسع في صفوف الجيش الإسرائيلي في غزة قد تكون له تداعيات خطيرة على الجبهة العسكرية والسياسية، خاصة في ظل استمرار العمليات القتالية وصعوبة حسم المعركة ضد حركة حماس.
وقال رون بن يشاي، المحلل العسكري المخضرم، في مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية: “إذا بدأت ظاهرة العصيان تتسع، فقد نشهد أزمة في قدرة الجيش على تنفيذ عملياته. القيادة العسكرية قلقة من تآكل الجهوزية القتالية بعد كل هذه الشهور من الحرب المستمرة، دون وضوح الأهداف ولا موعد النهاية”.
ضغوط اجتماعية متزايدة
من جهتها، أكدت منظمات إسرائيلية تُعنى بشؤون الجنود وعائلاتهم، أن هناك تزايداً كبيراً في عدد الشكاوى التي تتلقاها من عائلات الجنود بشأن الحالة النفسية السيئة لأبنائهم في غزة، وطول فترة بقائهم في الخطوط الأمامية.
وقالت منظمة “أمهات من أجل الجنود” في بيان صحفي: “نتلقى اتصالات يومية من أمهات منهارات، يصفن لنا حجم الضغط العصبي الذي يعيشه أبناؤهن في غزة. يجب على الحكومة أن تضع حداً لهذه الحرب التي تلتهم أبناءنا”.
الحكومة والجيش في موقف حرج
وتأتي هذه التطورات بينما تواجه الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، ضغوطاً داخلية هائلة مع استمرار حرب غزة منذ أشهر، وسط تكاليف بشرية ومادية باهظة، ومع تزايد الانتقادات الدولية بسبب الأوضاع الإنسانية الكارثية في القطاع.
وكانت تقارير إسرائيلية قد تحدثت في الأسابيع الماضية عن تراجع الروح المعنوية بين الجنود، لكن تصريحات والدة الضابط تُعد من المرات النادرة التي يجري فيها الحديث عن “عصيان واسع” بهذا الوضوح وفي وسيلة إعلامية رسمية.
ويرى محللون أن مثل هذه التصريحات قد تدفع قيادة الجيش الإسرائيلي إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في غزة، وسط معضلة خطيرة تتمثل في استمرار العمليات العسكرية من جهة، والمخاطر على الجنود من جهة أخرى، في ظل غياب رؤية سياسية واضحة لليوم التالي في القطاع.
وفيما لم يصدر تعليق رسمي حتى اللحظة من الجيش الإسرائيلي بشأن ما ذكرته والدة الضابط، إلا أن هيئة البث الإسرائيلية أكدت أن القضية تثير قلقاً متصاعداً داخل المؤسسة العسكرية، مع تحذيرات من أن استمرار الضغط على الجنود قد يؤدي إلى مزيد من التمرد أو الانهيارات النفسية، الأمر الذي يهدد تماسك الجبهة الداخلية والعسكرية على حد سواء.





