رفض الفاتيكان الانضمام إلى «مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمعالجة الوضع في غزة، مشيرًا إلى “قضايا حاسمة” تتعلق بطبيعة المجلس وصلاحياته ودوره على الساحة الدولية، في موقف ينسجم مع تحفظات عبّرت عنها دول أوروبية وحلفاء غربيون آخرون.
ومن المقرر أن يعقد المجلس اجتماعه الافتتاحي يوم الخميس في واشنطن، وسط مشاركة دولية متفاوتة المستوى. غير أن غياب الفاتيكان، بما يحمله من ثقل رمزي ودبلوماسي، يسلّط الضوء على الشكوك المتزايدة بشأن المبادرة الأميركية الجديدة.
وقال أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين للصحفيين إن بعض جوانب المجلس “تتركنا في حيرة إلى حد ما”، وفق ما نقلته وسائل إعلام تابعة للفاتيكان.
وأضاف أن من بين أبرز المخاوف أن “الأمم المتحدة ينبغي أن تكون، على المستوى الدولي، الجهة التي تدير هذه الأزمات قبل كل شيء”، في إشارة مباشرة إلى رفض إنشاء أطر موازية تتجاوز دور المنظمة الدولية.
في المقابل، قال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية لموقع أكسيوس إن البيت الأبيض لن يناقش “تفاصيل المحادثات الدبلوماسية”، مضيفًا: “نرحّب بانضمام البابا والفاتيكان إلى العديد من الدول الأخرى الملتزمة بمجلس السلام ومبادئه التوجيهية التي تعزز الاستقرار وتضمن السلام الدائم”.
ولم يوضح المسؤول ما إذا كانت هناك محاولات إضافية لإقناع الفاتيكان بتغيير موقفه.
وكان ترامب قد صرّح الشهر الماضي لوكالة رويترز بأن المجلس الجديد “سيبدأ بغزة، ثم سيتعامل مع النزاعات عند ظهورها”، وهو توصيف أثار قلقًا واسعًا بين قادة دول ومنظمات دولية، إذ يمنح المجلس – الذي يترأسه ترامب – نطاقًا واسعًا وصلاحيات غير محددة بوضوح.
وتخشى عواصم غربية من أن تتحول المبادرة إلى كيان منافس لـ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بما يقوّض منظومة التعددية الدولية.
ونقل موقع أكسيوس الأمريكي عن دبلوماسيين قولهم إن بعض الحلفاء يرون في المجلس محاولة أميركية لإعادة تشكيل آليات إدارة النزاعات بما يتماشى مع أولويات واشنطن، بعيدًا عن الأطر الأممية القائمة.
ورغم ذلك، من المتوقع أن ترسل إيطاليا والاتحاد الأوروبي ممثلين إلى اجتماع الخميس بصفة مراقبين، في خطوة تعكس توازنًا بين التحفظ على المبادرة وعدم القطيعة مع واشنطن.
في المقابل، رفضت دول أوروبية أخرى بارزة الانضمام رسميًا، فيما فضّل الفاتيكان إعلان موقف واضح بعدم المشاركة.
وقال ترامب يوم الأحد إن الدول الأعضاء تعهدت بتقديم أكثر من 5 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة والجهود الإنسانية. ووفق إعلانات نُشرت على الحساب الرسمي للمجلس على منصة “إكس”، فقد ضمّ المجلس حتى مطلع هذا الشهر أكثر من عشرين عضوًا، بينهم ممثلون عن المجر وفيتنام والسلفادور وإسرائيل.
غير أن غياب أسماء وازنة، خصوصًا من أوروبا الغربية والمؤسسات الدينية الكبرى، يطرح تساؤلات حول شرعية المجلس وقدرته على تحقيق نتائج ملموسة.
ويأتي موقف الفاتيكان في سياق توتر أوسع بين الكنيسة الكاثوليكية وإدارة ترامب. فقد انتقدت الكنيسة مرارًا سياسات واشنطن الخارجية “الأحادية” وحملتها الداخلية الصارمة ضد الهجرة، مؤكدة دعمها للتعددية الدولية والدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين.
ويُنظر إلى الكنيسة اليوم باعتبارها أحد أبرز الأصوات المنتقدة للنهج الأميركي القائم على تجاوز المؤسسات الدولية.
وفي هذا الإطار، يبرز دور البابا ليو الرابع عشر، الذي كثّف في الأسابيع الأخيرة دعواته إلى وقف العنف وحماية المدنيين، مع التشديد على ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني، وإعطاء الأمم المتحدة دورًا محوريًا في إدارة الأزمات.
ويرى محللون أن رفض الفاتيكان الانضمام إلى مجلس السلام يشكّل رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي مبادرة لمعالجة مأساة غزة لا يمكن أن تنجح إذا تجاوزت الشرعية الدولية أو تجاهلت الأطر الأممية.
كما يعكس الموقف خشية من أن يتحول المجلس إلى أداة نفوذ سياسي بيد واشنطن، بدل أن يكون منصة جامعة تسعى إلى سلام عادل ودائم.
ومع انعقاد الاجتماع الافتتاحي في واشنطن، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان المجلس قادرًا على تجاوز هذه الاعتراضات، أو ما إذا كانت تحفظات الفاتيكان وحلفاء آخرين ستحدّ من طموحات ترامب في تحويل مبادرته إلى إطار دولي بديل لإدارة النزاعات.





