منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ الشهر الماضي، وثّق متابعون ومصادر فلسطينية سلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة التي شملت غارات جوية، إطلاق نار مباشر، توغلات برية، عمليات اعتقال، وتقييد دخول المساعدات الإنسانية — رغم أن الاتفاق نصّ على فتح المعابر وتسهيل وصول الإغاثة.
وبحسب إحصاءات مكتب الإعلام الحكومي في غزة نفّذت القوات الإسرائيلية حتى 28 أكتوبر/تشرين الأول 52 عملية إطلاق نار و55 غارة/قصف جوي في أنحاء القطاع، مع تسجيل مزيد من الضربات الجوية بعد ذلك.
وأسفرت هذه الهجمات عن قتل 226 مواطنا وإصابة 594 آخرين، بينهم عشرات الأطفال، فيما استمرت عمليات هدم منازل مدنية واستخدام روبوتات مفخخة لتفجير مبانٍ.
توغلات وخرق «الخط الأصفر»
سجلت التقارير الميدانية ما لا يقل عن تسعة توغلات إسرائيلية خلف ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» — وهو خط انتشار القوات المتفق عليه كحد فاصل داخل القطاع — بالإضافة إلى إطلاق نار مكثف داخل مناطق يُفترض أنها خارجة عن السيطرة الإسرائيلية.
كما أشار المكتب الحكومي إلى قيام الجيش بوضع حواجز وكتل خرسانية صفراء على امتدادات داخل هذه المنطقة، ما يعمّق القيود على الحركة ويعرض المدنيين لخطر مباشر.
الاعتقالات وغياب الشفافية بشأن الأسرى والمفقودين
نفّذت القوات الإسرائيلية مداهمات وعمليات اعتقال شملت عشرات المواطنين — أُفيد بأن 29 فلسطينيًا اعتُقلوا على الأقل أثناء عمليات تفتيش قرب الخط الأصفر أو أثناء مزاولة الصيادين عملهم في البحر.
كما حمّلت حماس الاحتلال الإسرائيلي مسألة عدم تقديم قوائم مكتملة بالأسرى والمفقودين والإخلال ببنود تبادل الأسرى المتفق عليها، ما أدّى إلى استمرارية قلق واسع لدى الأسر حول مصير ذويهم.
الحصار وعرقلة المساعدات
نصّ الاتفاق على إعادة فتح معبر رفح والسماح بدخول 600 شاحنة مساعدات يوميًا من بينها 50 شاحنة وقود، لكن الواقع كان مختلفًا: بقي المعبر مغلقًا لفترات، ودخل طيلة الأيام الـ21 الأولى بعد الهدنة نحو 115 شاحنة وقود فقط، أي نحو 10% من الكمية المتفق عليها، ومعدل دخول الشاحنات الإنسانية ظل أقل بكثير من المطلوب (متوسط ~145 شاحنة يوميًا بدل 600).
وتُشير تقارير طبية إلى أن ما يقرب من 10% فقط من المعدات الطبية الأساسية دخلت القطاع، ولم يُسمح بدخول المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض وإعادة فتح الطرق.
تبادل الأسرى والاشكاليات التنفيذية
نفّذت حماس بموجب الاتفاق عمليات تسليم جزئية شملت حتى الآن إعادة 20 أسيرًا أحياء و17 جثة، بينما لا تزال قوائم الأسرى الكاملة ومصادر وجود المئات من المفقودين غير واضحة، ما أثار اتهامات متبادلة بين الطرفين حول تأخير التنفيذ.
بدورها ذكرت إسرائيل أن بعضها مرتبط بصعوبة استعادة الجثث من مناطق قتال أو اندثار، فيما يحمّل الجانب الفلسطيني المسؤولية إلى القيود والإجراءات الإسرائيلية التي تعيق التنفيذ الكامل لنصوص الاتفاق.
والخلاصة أن الهدنة، رغم ما وفّرته من تهدئة نسبية، تبيّن هشاشتها أمام غياب آليات مراقبة منفذة وملزمة تردع أي طرف عن الانتهاك. استمرار الغارات والاعتقالات وإغلاق المعابر لا يرقى إلى تنفيذ نصوص وقف النار، ويُعرض المدنيين لخطر إعادة تصاعد العنف والمجاعة.
وتطالب المنظمات الإنسانية ووساطات الدول الضامنة بتفعيل آليات رقابية فورية وبتوفير وصول آمن وبدون قيود للمساعدات، إضافة إلى آلية شفافة لتبادل قوائم الأسرى والمفقودين وتقديم ضمانات لمعالجة الخروقات فور وقوعها.





