أعلن الجيش الإسرائيلي تحديد منطقة المواصي في جنوب قطاع غزة ك”منطقة إنسانية”، داعيًا سكان مدينة غزة وكل من تبقى فيها إلى النزوح إليها عبر شارع الرشيد، الذي خُصص كـ”طريق إنساني” للمغادرة دون تفتيش.
وترافق الإعلان الإسرائيلي مع حديث عن “خدمات إنسانية أفضل” في المنطقة، وأعمال ترميم في المستشفى الأوروبي لتقديم رعاية طبية للنازحين.
لكن خلف هذه اللغة الدعائية، يتكشف مشروع أكبر هدفه تثبيت واقع التهجير القسري، مستفيدًا من تدخل إماراتي يتخفى تحت شعار “المساعدات الإنسانية”، بينما يسهم عمليًا في تمهيد الطريق لواحدة من أخطر الجرائم في التاريخ المعاصر.
التهجير بغطاء إنساني
بينما تستمر إسرائيل في حرب الإبادة والتدمير على قطاع غزة منذ أكثر من 22 شهرًا، تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، عبر تدمير مدينة غزة وشمالها وإجبار السكان على النزوح جنوبًا.
وفي هذا السياق، برزت الإمارات كأحد أبرز الشركاء الذين يتحركون في تناغم مع المخطط الإسرائيلي، من خلال مشاريع موجهة ومساعدات مركزة في مناطق بعينها، تخدم الهدف نفسه: إبقاء مئات آلاف النازحين في الجنوب، ومنع عودتهم إلى الشمال.
وقد تركزت المساعدات الإماراتية، التي تروج لها أبوظبي كعمل إنساني، على مناطق مثل خان يونس والمواصي. فقد أبحرت مؤخرًا السفينة الإماراتية التاسعة محملة بسبعة آلاف طن من المساعدات الغذائية والطبية إلى ميناء العريش المصري، قبل إدخالها إلى جنوب القطاع.
كما دشنت الإمارات خطًا مائيًا جديدًا يربط محطات تحلية أقامتها في مصر بخزانات في خان يونس، بطاقة إنتاجية تصل إلى مليوني جالون يوميًا، لتغذية مئات آلاف النازحين.
ورغم أهمية هذه المشاريع من الناحية المعيشية، فإنها تنسجم بشكل كامل مع أهداف الاحتلال في تثبيت الوجود القسري للنازحين، بدل تمكينهم من العودة إلى ديارهم في الشمال المدمر.
اتفاقيات سرية مع إسرائيل
تكشف مصادر دبلوماسية مطلعة أن الإمارات لم تتحرك من تلقاء نفسها، بل جرى تنسيق مباشر مع الحكومة الإسرائيلية لتمويل مشاريع في جنوب القطاع عبر جمعية الهلال الأحمر الإماراتي.
ففي أواخر الشهر الماضي، أكدت هيئة البث الإسرائيلية أن وفدًا رسميًا برئاسة وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر زار أبوظبي سرًا، حيث التقى الرئيس محمد بن زايد وكبار مستشاريه. ووفق المصادر، لم يكن اللقاء لمناقشة سبل دعم غزة إنسانيًا بحتًا، بل لتنسيق مشاريع تحمل بعدًا جيوسياسيًا واضحًا، تمهيدًا لمرحلة إعادة توزيع السكان في القطاع وفق التصور الإسرائيلي.
هذا الاتفاق يعكس تحوّل الدور الإماراتي من مجرد شريك تطبيعي لإسرائيل منذ توقيع “اتفاقيات أبراهام” عام 2020، إلى شريك تنفيذي في فرض مخططات الاحتلال على الأرض.
وبحسب مراقبين تحاول إسرائيل والإمارات عبر هذه المشاريع تمرير رسائل مزدوجة. إسرائيل تسعى للظهور بمظهر من يسمح بالمساعدات “رغم الحرب”، لتخفيف الانتقادات الدولية، فيما تستفيد الإمارات من الترويج الإعلامي لنفسها كـ”منقذ إنساني”.
وتضخ وسائل الإعلام الرسمية الإماراتية تغطيات واسعة لكل شاحنة أو محطة مياه تدخل الجنوب، متجاهلة أن هذه المشاريع تُنفذ تحت رقابة أمنية إسرائيلية مشددة، وأنها تخدم خطة تهجير أوسع. بهذا الشكل، تتحول أبوظبي إلى أداة لتجميل صورة الاحتلال، وتوفير غطاء سياسي وأخلاقي له أمام المجتمع الدولي.
وقد تحولت منطقة المواصي، التي تضم مئات آلاف النازحين، إلى مركز ثقل في خطة الاحتلال، وصارت تُقدَّم باعتبارها “المكان الآمن” أو “المحور الإنساني”.
وتساهم مشاريع الإمارات في هذه المنطقة، من المياه إلى الغذاء، في تحويل منطقة المواصي إلى محور استقرار مؤقت، يبقي السكان في ظروف بائسة، لكن تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
ويحذر المراقبون من أن هذا الواقع قد يكون مقدمة لتقسيم غزة فعليًا: شمال مدمّر غير صالح للحياة، وجنوب مهيأ ليكون مستقرًا مؤقتًا، في انتظار تنفيذ المرحلة التالية من التهجير خارج حدود القطاع.
الإمارات.. شريك في المخطط
منذ سنوات، قدّمت الإمارات نفسها كداعم للقضية الفلسطينية، لكنها اليوم تتصدر المشهد كشريك في أخطر مخططات الاحتلال. فجمعية الهلال الأحمر الإماراتي، التي يُفترض أن تكون مؤسسة إنسانية، تحولت إلى ذراع سياسية – أمنية تنفذ مشاريع بإشراف إسرائيلي مباشر.
هذا التحالف الجديد لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية أوسع، كونه جزءًا من اصطفاف إقليمي جديد تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، لإعادة ترتيب أولويات المنطقة على حساب الحقوق الفلسطينية.
وعليه فإن إعلان إسرائيل عن منطقة المواصي “منطقة إنسانية” ليس سوى غطاء لسياسة تهجير مدروسة، بينما تتحول المساعدات الإماراتية إلى أداة عملية في فرض هذا الواقع. وبينما يستمر الدمار والنزيف الإنساني في غزة، يبقى الفلسطينيون وحدهم يواجهون مخططًا مزدوجًا: احتلال يفرض وإمارات تمول وتسوّق.



