ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ أكثر من عام مع استمرار تداعيات الحرب الإيرانية، وسط تحذيرات من أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أصبحت المحرك الرئيسي لأسواق الطاقة والسلع، بعد أن كانت الأسعار تعتمد في السابق بصورة أكبر على معادلات العرض والطلب.
وأوضح تقرير اقتصادي أن خام برنت تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل في 23 يوليو/تموز الماضي للمرة الأولى منذ مايو/أيار، قبل أن يتراجع جزئياً خلال الأيام الأخيرة، إلا أنه أنهى شهر يوليو على مكاسب بلغت نحو 20% مقارنة بمستواه عند بداية الشهر عندما كان يتداول قرب 72 دولاراً للبرميل.
وأشار إلى أن المستثمرين انشغلوا خلال الأشهر الماضية بطفرة شركات الذكاء الاصطناعي، قبل أن تعيد الحرب الإيرانية المخاوف المرتبطة بالطاقة والتضخم إلى واجهة الأسواق العالمية، مع تنامي القلق من استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة أطول مما كان متوقعاً.
ورأى التقرير أن استمرار الأسعار المرتفعة قد يجبر البنوك المركزية الكبرى على الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، أو حتى تشديد السياسة النقدية مجدداً، في ظل المخاوف من عودة موجة التضخم، الأمر الذي ينعكس سلباً على أسواق الأسهم، ولا سيما شركات التكنولوجيا وأسهم النمو التي تعتمد تقييماتها على الأرباح المستقبلية.
في المقابل، استفادت شركات الطاقة بصورة كبيرة من هذه التطورات، إذ توقعت شركة “وود ماكنزي” أن تحقق شركات التنقيب والإنتاج تدفقات نقدية تصل إلى نحو 495 مليار دولار خلال العام الجاري، بافتراض متوسط سعر يبلغ 90 دولاراً لبرميل برنت، وهو أعلى بكثير من التقديرات السابقة التي كانت تدور حول 60 دولاراً.
ونقل التقرير عن رئيس قسم تحليل المنبع في “وود ماكنزي”، فريزر مكاي، قوله إن الأسواق لا تشهد دورة طبيعية لارتفاع أسعار السلع، موضحاً أن الأسعار الحالية تعكس تداعيات الصراع الجيوسياسي أكثر مما تعكس مستويات الطلب الفعلية.
وأضاف أن أسهم شركات النفط استعادت دورها التقليدي كملاذ للمستثمرين في أوقات الأزمات، إذ غالباً ما تحقق مكاسب عندما تتراجع بقية الأسواق نتيجة تصاعد المخاطر في منطقة الخليج.
وبيّن التقرير أن تأثير الحرب لم يقتصر على النفط، بل امتد إلى معظم السلع الأساسية، حيث ارتفعت أسعار الحبوب والمواد الغذائية مع زيادة تكاليف الوقود والأسمدة والشحن، كما صعدت أسعار المعادن الصناعية، وفي مقدمتها النحاس والألمنيوم وخام الحديد، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة ومخاوف اضطراب الإمدادات.
وأوضح أن النحاس يحظى بأهمية خاصة نظراً لاعتماده في مشاريع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية، ما يجعل أي اضطراب في إمداداته عاملاً مؤثراً في الاقتصاد العالمي.
وأشار التقرير إلى أن المستثمرين الذين راهنوا على قطاع السلع حققوا مكاسب كبيرة، إذ ارتفع أداء أحد أكبر الصناديق العالمية المتخصصة في السلع بنحو 32% منذ بداية العام، كما صعدت أسهم شركات تعدين كبرى مثل “بي إتش بي” و”ريو تينتو”، التي أعلنت بدورها ارتفاع أرباحها الأساسية بنسبة 43% خلال النصف الأول من العام.
وأكد مدير الاستثمار في “فيديليتي إنترناشونال”، توم ستيفنسون، أن أسهم شركات التعدين استفادت أيضاً من توقعات تحفيز الاقتصاد الصيني، وهو ما دعم الطلب على المواد الأولية.
ورأى التقرير أن المستثمرين أصبحوا مضطرين اليوم إلى إدخال عوامل جديدة في حساباتهم، بعدما تحولت الحروب وخطوط الملاحة البحرية والسياسات النقدية إلى عناصر مؤثرة في حركة الأسعار، إلى جانب العوامل الاقتصادية التقليدية.
ونقل عن الرئيس التنفيذي لشركة “إليفيت فاينانشال سيرفيسز”، مادور كاكار، قوله إن الأسواق باتت تسعّر مخاطر الاختناقات في طرق الإمداد أكثر من تسعيرها لنقص فعلي في كميات النفط.
وأوضح أن نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية تمر عبر مضيق هرمز، الأمر الذي يجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة سبباً مباشراً لإضافة علاوة مخاطر جديدة إلى أسعار النفط.
وأشار التقرير إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يزيد تكاليف النقل والتصنيع، ويغذي التضخم العالمي، ما يضع البنوك المركزية أمام خيارات أكثر صعوبة بشأن أسعار الفائدة، بعدما كانت الأسواق تتوقع في بداية العام بدء دورة جديدة من خفض الفائدة الأمريكية.
من جانبه، حذر رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك “ساكسو”، حمزة دويك، من أن بقاء أسعار النفط فوق مستويات تتراوح بين 85 و90 دولاراً للبرميل قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة من الركود التضخمي، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي بينما يظل التضخم مرتفعاً.
وأضاف أن بيانات المخزونات الأمريكية، التي أظهرت تراجعاً بنحو 3.3 ملايين برميل خلال أسبوع واحد، عززت المخاوف من تقلص الإمدادات الفعلية في الأسواق.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن الذهب والفضة لم يستفيدا من التوترات بالقدر المتوقع، رغم اعتبارهما من أهم الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات.
وأوضح أن الذهب تراجع من مستواه القياسي المسجل في يناير الماضي عند نحو 5515 دولاراً للأوقية إلى قرابة 4050 دولاراً، بينما انخفضت الفضة من نحو 117 دولاراً إلى ما يقارب 57 دولاراً.
وعزا متداولون هذا التراجع إلى ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، التي جعلت الاحتفاظ بالنقد والسندات أكثر جاذبية مقارنة بالمعادن النفيسة التي لا توفر عائداً دورياً، فضلاً عن تباطؤ النشاط الصناعي الذي ضغط على الطلب العالمي على الفضة.





