تكشف أحدث البيانات الصادرة عن مركز أبحاث الكنيست الإسرائيلي عن تفاقم ظاهرة الهجرة العكسية من داخل إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر متصاعد على تراجع الثقة بالوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي داخل الدولة العبرية.
وبحسب تحليل للأرقام فقد غادر إسرائيل نحو 145,900 شخص بين عامي 2020 و2024، في حين أن عدد العائدين خلال الفترة نفسها لم يتجاوز جزءًا محدودًا من هذا الرقم، ما يعني أن ميزان الهجرة يميل بشدة نحو الخارج.
وشهد عام 2023 ذروة الهجرة العكسية، إذ غادر 82,800 إسرائيلي البلاد، وهو الرقم الأعلى منذ أكثر من عقدين، وتزامن ذلك مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر من العام نفسه، وما تبعها من اضطرابات داخلية، واحتجاجات ضد الحكومة، وازدياد الشعور بانعدام الأمن الشخصي.
وبحسب مركز الأبحاث، فقد عاد فقط 24,200 شخص إلى إسرائيل خلال العام ذاته، أي ما يعادل أقل من ثلث المغادرين، في حين وصفت مؤسسات بحثية محلية الظاهرة بأنها “نزيف سكاني غير مسبوق” داخل مجتمع يواجه تحديات ديموغرافية متسارعة.
استمرار النزيف في 2024
رغم محاولات الحكومة الإسرائيلية تحسين صورتها الخارجية واستعادة ثقة الجمهور، إلا أن عام 2024 شهد استمرار الاتجاه التصاعدي للهجرة، حيث غادر 50,000 شخص البلاد مقابل 12,100 عائد فقط.
ويعزو محللون هذا التراجع إلى الضغوط الاقتصادية الناتجة عن استمرار الحرب، وارتفاع تكلفة المعيشة، وتراجع مستوى الخدمات العامة، إضافة إلى تنامي الخلافات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي بين التيارات الدينية والعلمانية.
وتشير الأرقام إلى أن المدن الكبرى كانت الأكثر تأثرًا بهذه الموجة. فقد جاءت تل أبيب في المرتبة الأولى بنسبة 14% من إجمالي المهاجرين عام 2024، تلتها حيفا بنسبة 7.7%، ثم نتانيا 6.9%، والقدس 6.3%.
ويرى خبراء أن مغادرة سكان هذه المدن، التي تُعد مراكز النشاط الاقتصادي والثقافي في إسرائيل، تعكس تراجع الثقة العامة في مستقبل البلاد، خاصة مع تصاعد التهديدات الأمنية وتآكل صورة “الدولة الآمنة” التي لطالما روّجت لها الحكومة.
الفئات العمرية الشابة تتصدر
اللافت في الأرقام أن الفئات الشابة والمتوسطة العمر هي الأكثر مغادرة، ما ينذر بأزمة مستقبلية في سوق العمل والاقتصاد الإسرائيلي.
فقد غادر نحو 22,183 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 0 و19 عامًا، و28,915 شخصًا بين 30 و49 عامًا، و15,581 فوق سن الخمسين.
ويرى اقتصاديون أن خروج هذه الفئة المنتجة سيؤدي إلى تراجع القوة البشرية المؤهلة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الإسرائيلي على قطاعات التكنولوجيا والبحث العلمي التي تتطلب كفاءات شابة.
وتشير التحليلات إلى أن ما يحدث ليس مجرد حركة هجرة طبيعية، بل انعكاس لأزمة ثقة شاملة يعيشها المجتمع الإسرائيلي في ظل غياب الاستقرار السياسي، واتهامات بالفساد وسوء إدارة الحرب على غزة، وتراجع صورة الحكومة في الداخل والخارج.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الاتجاه سيُضعف إسرائيل على المدى البعيد ديموغرافياً واقتصادياً، خصوصًا إذا فشلت في استعادة المهاجرين أو جذب موجات هجرة يهودية جديدة لتعويض هذا النزيف.
ويخلص التقرير إلى أن الهجرة العكسية أصبحت أحد أبرز التهديدات الهادئة التي تواجه إسرائيل اليوم، إذ تُظهر الأرقام بوضوح أن “الهروب الصامت” من الداخل لم يعد ظاهرة هامشية، بل بات تعبيرًا عن مجتمع يزداد انقسامًا وخوفًا من المستقبل.





