في ظل تصعيد غير مسبوق، تستمر المواجهات العسكرية بين إسرائيل وإيران رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفاً لإطلاق النار مساء الاثنين بهدف إنهاء 12 يومًا من الحرب المتواصلة بين الطرفين.
وبينما أبدى الطرفان قبولهما العلني بالهدنة، اندلع إطلاق نار جديد صباح الثلاثاء، ما يثير شكوكاً حول مصداقية الاتفاق ومدى التزام الأطراف به.
إطلاق نار بعد الهدنة
لم تمضِ ساعات على إعلان ترامب وقف إطلاق النار حتى دوّت صفارات الإنذار في شمال إسرائيل في حوالي الساعة 10:30 مساءً بالتوقيت المحلي، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراضه لصاروخين قالت تل أبيب إنهما أُطلقا من إيران.
في المقابل، نفت طهران خرق الهدنة، مؤكدة أنها لم تطلق أي صواريخ بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
ردًا على ذلك، أمر وزير الجيش الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، الجيش بـ”الرد بقوة” على ما وصفه بانتهاك إيراني للهدنة.
وقال كاتس في بيان رسمي: “أصدرت تعليماتٍ لجيش الدفاع الإسرائيلي بمواصلة ضرب أهداف إيرانية في قلب طهران، وتكثيف الجهود لإحباط البنى التحتية الإرهابية الإيرانية”.
التباهي الإسرائيلي والانكار الإيراني
في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الإسرائيلية موافقتها على وقف إطلاق النار بالتنسيق مع ترامب، ادّعت أنها حققت “أهدافها وأكثر” من خلال الحملة العسكرية، مشيرة إلى “إزالة تهديد وجودي مزدوج يتعلق بالنووي والصواريخ الباليستية الإيرانية”.
لكن هذا لم يمنع وزراء متشددين في الحكومة، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، من التلويح بالتصعيد، إذ كتب على منصة “إكس”: “طهران سترتجف”.
على الجانب الإيراني، أفادت وسائل إعلام رسمية أن وقف إطلاق النار “فُرض على العدو” بعد “أربع موجات من الهجمات الصاروخية الإيرانية على الأراضي المحتلة”، مؤكدين أن إيران انتقمت لقصف منشآتها النووية بمهاجمة أهداف إسرائيلية وأميركية.
الخسائر البشرية والضربات المكثفة
أعلنت إسرائيل أن 20 صاروخًا أُطلق من إيران خلال الجولة الأخيرة، أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة أكثر من 22 في مدينة بئر السبع.
كما أشارت تل أبيب إلى أنها قتلت “مئات المسلحين” من الباسيج واستهدفت عددًا من العلماء النوويين، بينهم محمد رضا صديقي صابر، الذي قُتل في منزل عائلته، فيما قُتل ابنه سابقًا في غارة أخرى.
في طهران، وصف سكان محليون الضربات الإسرائيلية بـ”المكثفة”، حيث لم تتوقف الانفجارات لمدة ساعة كاملة. وأفادت مصادر بأن الهجمات استهدفت مواقع استراتيجية وعلماء بارزين، مما رفع حصيلة القتلى من العلماء الإيرانيين إلى 15 شخصًا.
ترامب يحتفي بـ”النصر” ويتحدث عن مفاوضات
أعلن ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي، منها “تروث سوشيال”، نجاح وقف إطلاق النار، وكتب: “اتُّفق على وقف شامل وكامل لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران”، مشيدًا بتعاون إيران التي أخطرت واشنطن مسبقًا بقصف قاعدة العديد الأميركية في قطر، والذي لم يُسفر عن إصابات.
ورغم تصعيد الخطاب، أشار ترامب إلى رغبته في استئناف المفاوضات، ملمحًا إلى أن الهجمات الأميركية والإسرائيلية حققت هدفها بإضعاف البرنامج النووي الإيراني.
في المقابل، عبّر مسؤولون أميركيون عن شكوكهم بشأن حجم الضرر الحقيقي الذي لحق بمنشآت التخصيب في فوردو، حيث قال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي إن “أحدًا لا يستطيع حاليًا تقييم حجم الضرر داخل المنشأة المحصّنة”.
تساؤلات حول وقف إطلاق النار
تزامن إعلان ترامب مع استمرار العمليات العسكرية على الأرض، ما دفع مراقبين للتساؤل عن مدى دقة توقيت الهدنة. وكتب دانيال شابيرو، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل: “هل لدى إسرائيل 12 ساعة إضافية للضرب؟ أم يُفترض أن يكون وقف إطلاق النار فوريًا؟”.
من جهته، ألمح زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إلى ضرورة إنهاء الحرب في غزة أيضًا، وقال: “حان الوقت لإنهاء الأمر هناك. إعادة الرهائن وبدء إعادة الإعمار”.
تحذير من انزلاق نحو حرب شاملة
يُعتقد أن إيران اختارت تصعيدًا محسوبًا عبر قصف قاعدة أميركية في قطر، لتجنب حرب شاملة قد تهدد استقرار النظام. وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: “لم نبدأ الحرب، لكننا لن نترك العدوان دون رد”.
وعلى الرغم من هذه التصريحات، تؤكد مصادر قريبة من حملة ترامب أن الهدف الآن هو دفع إيران إلى مفاوضات جديدة، قد يقودها مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، في محاولة لإعادة ترتيب الوضع بعد الضربات.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب لا يزال هشًا ومهددًا بالانهيار في أي لحظة، وسط تبادل الاتهامات واستمرار الضربات المتبادلة.
ومع أن الطرفين أعلنا قبولهما بالهدنة، فإن التصعيد الميداني، وتصريحات المسؤولين من الجانبين، تعكس واقعًا مختلفًا على الأرض، وتحذر من أن المنطقة لا تزال على شفا انفجار واسع، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق صلب يُنهي هذا التصعيد قبل خروجه عن السيطرة.



