حذّر باحثون ونشطاء وخبراء في مجال الحقوق الرقمية من تصاعد حملات التضليل والدعاية المنظمة التي تستهدف تشكيل الرواية العالمية حول القضية الفلسطينية، مؤكدين أن المعركة لم تعد ميدانية فقط، بل باتت رقمية بامتياز.
وجاءت هذه التحذيرات خلال ندوة عبر الإنترنت نظمها التحالف العالمي من أجل فلسطين، تحت عنوان “مواجهة صناعة الدعاية الإسرائيلية لعام 2026”، حيث ناقش المشاركون ما وصفوه باستراتيجيات إعلامية رقمية متقدمة تهدف إلى التأثير على الرأي العام العالمي.
وركزت الندوة على ما اعتبره المتحدثون حملات تضليل مدعومة من الدولة الإسرائيلية، تعتمد على الرسائل الرقمية المنظمة والإعلانات الموجهة واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، في محاولة لإعادة صياغة السرديات المرتبطة بالحرب في غزة.
وأشار المشاركون إلى دور ما يُعرف بمديرية الدبلوماسية العامة الإسرائيلية “هاسبارا”، في الإشراف على هذه الحملات، مؤكدين أنها كانت محور دعاوى قضائية رفعها متعاقدون شاركوا في تقديم خدمات إعلامية خلال المراحل الأولى من الحرب.
كما لفتت النقاشات إلى استخدام حملات علاقات عامة سرية وشبكات من المؤثرين المدفوعي الأجر ضمن مشروع يحمل الاسم الرمزي “مشروع إستير”، بهدف نشر محتوى داعم للرواية الإسرائيلية عبر المنصات الرقمية.
ومنذ أكتوبر 2023، توسعت هذه الجهود لتشمل وزارتي الخارجية وشؤون الشتات، اللتين خصصتا موارد مالية كبيرة لدعم انتشار الرواية الإسرائيلية، مع التركيز على نفي اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأكد الباحث أنس أمبري أن الإعلانات الرقمية الموجهة تلعب دوراً محورياً في التأثير على الجمهور، مشيراً إلى محدودية الشفافية بشأن مصادر التمويل والجهات المرتبطة بهذه الحملات.
وأوضح أن هذه الحملات تعتمد على استهداف دقيق للجمهور عبر منصات متعددة، ما يساهم في تشكيل روايات متباينة وربما متضاربة حول الأحداث.
من جانبه، سلط طارق كيني شوا الضوء على أهمية المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر في مواجهة التضليل، مؤكداً أنها ساعدت في توثيق أحداث ميدانية، بما في ذلك الكشف عن مقابر جماعية في غزة، وتفنيد روايات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتناولت الباحثة هالة حنينا أنماط التغطية الإعلامية، مشيرة إلى أن بعض الخطابات تعتمد على إنكار الهجمات أو تحويل المسؤولية، إضافة إلى إعادة صياغة الروايات بطريقة تقلل من أثرها على المدنيين.
وأكدت أن هذه الرسائل تنتشر عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، ما يؤدي إلى إرباك المتلقين ويعقّد جهود المساءلة.
في السياق ذاته، ركزت الباحثة لوجان على دور الذكاء الاصطناعي في تضخيم بعض الروايات، مشيرة إلى أن خوارزميات المحتوى يمكن أن تؤثر في مخرجات الأنظمة الذكية، بما يعزز انتشار سرديات معينة على حساب أخرى.
بدوره، حذّر الناشط نديم ناشف من سياسات إدارة المحتوى على المنصات الرقمية، مشيراً إلى حالات سابقة تم فيها حذف أو تقييد محتوى فلسطيني، ما يعكس ما وصفه بعدم تكافؤ في الظهور الرقمي.
في المقابل، أشارت الباحثة ميريام عوراغ إلى أن الفضاء الرقمي أتاح أيضاً ظهور روايات مضادة، حيث تمكنت الأصوات الفلسطينية من الوصول إلى جمهور أوسع، مدعومة بتزايد الوعي العالمي وتنامي الانتقادات لممارسات بعض المنصات.
وأكد منظمو الندوة أن الهدف من هذه النقاشات هو تزويد الجمهور بأدوات تحليلية لفهم كيفية إنتاج المعلومات وتداولها خلال النزاعات، في ظل تعقيد البيئة الرقمية وتسارع انتشار المحتوى.
يأتي ذلك في وقت أصبحت الرواية الإعلامية ساحة مواجهة رئيسية، تعتمد على التكنولوجيا والبيانات بقدر اعتمادها على الوقائع الميدانية، ما يفرض تحديات جديدة أمام الوصول إلى الحقيقة في زمن الحروب الرقمية.





