تتصاعد الانتقادات داخل الأوساط الحقوقية والأكاديمية في الولايات المتحدة وخارجها، عقب قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوبات على خبيرة أممية مختصة بحقوق الإنسان، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا غير مسبوق ضد حرية التعبير والعمل الحقوقي، خاصة فيما يتعلق بملف الحرب في غزة.
وتسلّط هذه الخطوة الضوء على تحول لافت في التعامل مع الأصوات الحقوقية، حيث استهدفت العقوبات الخبيرة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، التي عملت على توثيق الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية، ودعت إلى محاسبة مسؤولين إسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وتتمحور الاتهامات حول أن العقوبات امتدت لتشمل تقييد قدرة الخبيرة الاممية على العمل، من خلال منعها من التعامل المالي داخل الولايات المتحدة، وحرمانها من فرص مهنية، في ما وصفه منتقدون بأنه “عقاب سياسي” على مواقفها.
ويتجاوز أثر القرار حدود ألبانيز، حيث يشير أكاديميون إلى أن الإجراءات خلقت حالة من “الترهيب” داخل الجامعات ومراكز الأبحاث، دفعت بعض المؤسسات إلى إلغاء فعاليات علمية خوفًا من التعرض للعقوبات.
وتعكس هذه التطورات قلقًا متزايدًا من أن تتحول العقوبات إلى أداة لتقييد النقاش العام، خاصة في القضايا الحساسة المرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية وحلفائها.
ويرى منتقدون أن الخطوة تأتي في سياق أوسع من السياسات التي تستهدف تقويض التحقيقات الدولية في جرائم الحرب، حيث سبق أن فرضت واشنطن قيودًا على جهات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية.
وتربط هذه الانتقادات بين العقوبات وبين مواقف الإدارة الأمريكية الداعمة لإسرائيل، معتبرة أن استهداف الخبيرة الأممية جاء بسبب تقاريرها التي تتهم تل أبيب بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في غزة.
وتشير المعطيات إلى أن ألبانيز كانت قد دعت إلى إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، إلى جانب فتح تحقيقات تشمل شركات وأطرافًا يُعتقد أنها ساهمت في دعم العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الموقف إلى تصعيد التوتر بينها وبين الإدارة الأمريكية، التي اعتبرت تحركات المحكمة الجنائية الدولية تهديدًا لمصالحها، ما دفعها لاتخاذ إجراءات عقابية.
في المقابل، يؤكد حقوقيون أن الأدلة المتعلقة بالانتهاكات في غزة باتت واسعة النطاق، وتشمل استهداف المدنيين والبنية التحتية، إلى جانب استخدام الحصار كوسيلة ضغط، وهو ما يرقى، وفق تقديراتهم، إلى جرائم حرب.
وتعزز هذه المواقف تقارير صادرة عن منظمات دولية، ترى أن الوضع الإنساني في القطاع بلغ مستويات كارثية، في ظل استمرار العمليات العسكرية.
لكن الجدل لم يتوقف عند حدود الوقائع الميدانية، بل امتد إلى جوهر حرية التعبير، حيث يحذر أكاديميون من أن مجرد التهديد بالعقوبات قد يكون كافيًا لإسكات الأصوات المنتقدة.
ويشير هؤلاء إلى أن القانون الأمريكي والدولي يحمي حرية التعبير، وأن أي محاولة لتقييدها عبر أدوات سياسية تمثل انتهاكًا لهذه المبادئ.
في هذا السياق، تم تقديم تحركات قانونية للطعن في العقوبات، حيث يسعى متضررون إلى إثبات عدم دستوريتها، في محاولة لإلغاء القرار.
ويرى مراقبون أن القضية قد تتحول إلى اختبار قانوني مهم، يحدد حدود سلطة الحكومة في التعامل مع الأصوات المعارضة، خاصة في القضايا الدولية.
وتثير هذه التطورات مخاوف أوسع من أن يمتد نطاق الاستهداف ليشمل صحفيين وباحثين وناشطين، ما قد يؤدي إلى تراجع مساحة النقاش الحر داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، تدافع الإدارة الأمريكية عن إجراءاتها، معتبرة أنها تأتي في إطار حماية مصالحها الوطنية، ورفض ما تصفه بمحاولات تسييس العدالة الدولية.
لكن هذا التبرير لم ينجح في تهدئة الانتقادات، التي ترى أن ما يحدث يمثل سابقة خطيرة، قد تعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والفضاء العام.





