تدفع إسرائيل نحو تغيير جذري في المشهد السكاني جنوب لبنان، عبر أوامر إخلاء واسعة وضغوط ميدانية تستهدف فئات محددة، في خطوة أثارت مخاوف متزايدة من عمليات تهجير قسري جماعي على أسس طائفية.
وأصدرت إسرائيل توجيهات إخلاء شاملة لمنطقة تمتد لنحو 25 ميلاً من الحدود، مطالبة جميع المدنيين بالتوجه شمالاً، في تحول لافت مقارنة بالحروب السابقة التي كانت تعتمد تحذيرات تدريجية من قرية إلى أخرى.
لكن خلف هذه الدعوات العامة، كشفت اتصالات غير معلنة عن سياسة أكثر انتقائية، حيث أبلغت جهات عسكرية إسرائيلية قادة محليين في بلدات مسيحية ودرزية بإمكانية بقائهم، مقابل الضغط لطرد النازحين الشيعة الذين لجأوا إليهم هرباً من القصف.
وقد فهم القادة المحليون هذه الرسائل على أنها محاولة واضحة لإفراغ الجنوب من سكانه الشيعة، الذين يشكلون القاعدة الاجتماعية لحزب الله، في إطار خطة أوسع لإعادة تشكيل التوازن الديموغرافي في المنطقة.
ويروي نازحون قصص نزوح متكرر، حيث اضطر كثيرون لمغادرة قراهم الحدودية إلى بلدات مجاورة، قبل أن يُطلب منهم الرحيل مجدداً تحت ضغط التهديدات، ما دفعهم إلى التنقل بين مناطق مختلفة داخل لبنان بحثاً عن مأوى آمن.
وتعكس هذه الحالات واقعاً إنسانياً قاسياً، إذ يجد آلاف المدنيين أنفسهم عالقين بين القصف من جهة، وضغوط الطرد من جهة أخرى، في ظل غياب أماكن آمنة يمكنهم الاستقرار فيها.
في الميدان، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى استشهاد أكثر من 1200 شخص ونزوح ما يزيد عن مليون لبناني، مع توسع القصف ليشمل مناطق واسعة في الجنوب والشرق وحتى العاصمة بيروت.
وترافق ذلك مع تقدم القوات البرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، حيث اندلعت اشتباكات مباشرة مع مقاتلي حزب الله، في مؤشر على اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى مواجهة مفتوحة.
في هذا السياق، طرح وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خطة تقضي بالسيطرة على مناطق واسعة جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، ما يعادل نحو 10% من مساحة البلاد، مع منع السكان الذين نزحوا من العودة حتى إشعار آخر.
وتشير هذه الخطة إلى نية واضحة لإقامة منطقة عازلة طويلة الأمد، تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، وتمتد إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية والسكانية للجنوب اللبناني.
وتؤكد شهادات ميدانية أن قادة محليين في عدة بلدات امتثلوا للضغوط الإسرائيلية، خوفاً من تعرض مناطقهم للقصف، ما وضعهم في موقف معقد بين حماية مجتمعاتهم وتجنب اتهامات التعاون.
وأدى هذا الواقع إلى توترات طائفية متزايدة، في بلد يحمل تاريخاً طويلاً من الانقسامات التي تفجرت سابقاً في حرب أهلية استمرت 15 عاماً، ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج سيناريوهات مشابهة.
وحذرت منظمات حقوقية من أن هذه الإجراءات قد ترقى إلى مستوى التهجير القسري، خاصة مع استهداف فئة محددة من السكان على أساس ديني، وهو ما يعد انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي.
وتزداد المخاوف من تداعيات طويلة الأمد، إذ قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الانقسامات الداخلية، وخلق بيئة خصبة لصراعات مستقبلية، حتى بعد انتهاء الحرب.
في الوقت ذاته، يعيش القادة المحليون حالة من القلق، إذ يخشون من ردود فعل لاحقة، سواء من حزب الله أو من السكان الذين قد يعتبرون قرارات الطرد نوعاً من التعاون مع إسرائيل.
وتظهر بعض المؤشرات على تحولات في المزاج المحلي، حيث يرى بعض السكان في الوجود الإسرائيلي المحتمل “حاجزاً” يحميهم من تداعيات الصراع، بينما يعبر آخرون عن رفضهم لأي شكل من أشكال الاحتلال.
في المقابل، يواجه النازحون الشيعة واقعاً أكثر قسوة، حيث تتقلص الخيارات أمامهم يوماً بعد يوم، مع تزايد القيود على استضافتهم في بلدات مختلفة، ما يهدد بتحويلهم إلى فئة بلا مأوى.
وتعكس شهادات النازحين حالة من اليأس، حيث يطرح كثيرون تساؤلات عن مستقبلهم في ظل غياب حلول، وسط مخاوف من أن يجدوا أنفسهم في الشوارع أو داخل سياراتهم مع استمرار الحرب.





