تحوّل موسم حصاد الزيتون في الضفة الغربية خلال خريف عام 2025 من طقس زراعي واجتماعي راسخ في الذاكرة الفلسطينية إلى ساحة مواجهة يومية، تخللتها أعمال عنف وقمع وهجمات منظمة نفذها مستوطنون إسرائيليون تحت حماية الجيش، في مقابل إصرار فلسطيني واسع على البقاء في الأرض ومواصلة الحصاد رغم المخاطر.
وقد رافق الصحفيان رافايلا كورتيز وريكاردو إستيفيس ريبيرو عائلات فلسطينية ومتطوعين محليين ودوليين خلال أيام من موسم الحصاد، خصوصًا في قرى شمال ووسط الضفة، أبرزها بيتا، حيث شهدوا هجمات متكررة شملت إطلاق الغاز المسيل للدموع، ورشق الحجارة، وإحراق مركبات وبساتين زيتون، إضافة إلى إصابات مباشرة في صفوف المزارعين والصحفيين.
في صباح 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تجمع عشرات الفلسطينيين ومتضامنين دوليين في بساتين بيتا لبدء الحصاد ضمن حملة أهلية هدفت إلى حماية المزارعين القريبين من البؤر الاستيطانية.
وبعد دقائق من بدء العمل، اقتحمت مجموعات من المستوطنين المكان، تبعها تدخل الجيش الإسرائيلي الذي أطلق قنابل الغاز والصوت لتفريق المزارعين، فيما وفر الحماية للمستوطنين.
وأفاد شهود عيان بإصابة مصور صحفي فلسطيني بشكل مباشر بقنبلة غاز في قدمه، رغم ارتدائه سترة صحافة واضحة. كما أُحرقت سيارات فلسطينية، واضطر الأهالي إلى إخماد النيران بأيديهم وسط وابل من الحجارة والغاز.
ولم تكن بيتا استثناءً. ففي بلدات أخرى مثل إدنا، كفر قدوم، سلواد، ومحيط جنين، تكرر المشهد ذاته: إعلان مناطق عسكرية مغلقة دون أوامر مكتوبة، منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ومرافقة المستوطنين المسلحين للجنود أثناء طرد الفلسطينيين. وفي حالات عدة، استُخدم العنف لإجبار العائلات على الانسحاب بعد دقائق فقط من بدء القطف.
وبحسب معطيات وثّقتها منظمات حقوقية، سُجل خلال موسم الحصاد أكثر من 160 هجومًا استيطانيًا في نحو 100 بلدة وقرية، أسفرت عن إصابة أكثر من 150 فلسطينيًا، وتدمير ما يقارب 6000 شجرة زيتون، فضلًا عن إحراق وتخريب مركبات وممتلكات زراعية.
وكان من أخطر النتائج استشهاد طفل فلسطيني يبلغ من العمر 13 عامًا بعد تعرضه للاختناق بالغاز المسيل للدموع خلال إحدى عمليات القمع.
ويقول منظمو حملات الحصاد إن استهداف موسم الزيتون لم يعد عرضيًا، بل بات سياسة ممنهجة تهدف إلى عزل الفلسطينيين عن أراضيهم، ودفعهم إلى الهجرة القسرية الصامتة.
فإلى جانب العنف المباشر، يُستخدم “التنسيق الأمني” وقرارات الإغلاق العسكري كأدوات قانونية ظاهرية لمنع الوصول إلى الأراضي، حتى في المناطق المصنفة رسميًا خارج السيطرة الإسرائيلية الكاملة.
ورغم ذلك، أظهر المزارعون الفلسطينيون إصرارًا لافتًا على مواصلة الحصاد. ففي كل مرة كان يتم فيها طردهم، كانوا يعودون في اليوم التالي، وغالبًا في ساعات الفجر الأولى. ويقول أحد المزارعين من بيتا إن الزيتون “ليس محصولًا فقط، بل شهادة ملكية وحياة كاملة”، مؤكدًا أن التراجع يعني تسليم الأرض للمستوطنين.
وخلال بعض الأيام النادرة التي خف فيها التوتر، تمكنت العائلات من قطف مئات الكيلوغرامات من الزيتون، وتحولت الاستراحات القصيرة إلى لحظات جماعية من الغناء والطعام المشترك، في محاولة لاستعادة معنى الموسم رغم القمع.
ويخلص مراقبون إلى أن موسم حصاد الزيتون 2025 شكّل صورة مكثفة لما تشهده الضفة الغربية عمومًا: تصاعد عنف المستوطنين، تواطؤ عسكري واضح، وانكماش المساحات المتاحة للحياة الفلسطينية. ومع ذلك، ظل المشهد الأبرز هو استمرار الناس في العودة إلى الأرض، مرددين عبارة واحدة تختصر المشهد كله: هذه أرضنا، ولن نغادرها.





