كشفت مصادر فلسطينية عن شبكة إعلامية ممولة إسرائيليا وإماراتيا للترويج وبث مواد دعائية تدعم الرواية الإسرائيلية باللغة العربية وعلى رأس ذلك التطبيع الإسرائيلي مع الدول العربية والإسلامية.
وبحسب المصادر يتصدر الشبكة المذكورة الإعلامية السورية هديل بشار عويس التي تقيم في الولايات المتحدة وتترأس تحرير منصة “جسور نيوز” الإماراتية.
وكانت عويس شاركت في الحراك السلمي ضد النظام السوري السابق برئاسة بشار الأسد واعتُقلت عام 2011 وهي بعمر 18 عامًا لدورها النشط في بداية الاحتجاجات، قبل أن تتمكن من مغادرة سوريا إلى الولايات المتحدة بمساعدة دبلوماسية أمريكية عام 2012.
ومنذ ذلك الحين كرست عويس عملها للإعلام والتحليل السياسي، مع تركيز خاص على قضايا الشرق الأوسط، مع استقطابها لصالح دعم التطبيع الإسرائيلي العربي.
إذ أن عويس زميلة باحثة في مشروع “فيلوس” (Philos Project) الذي يُعنى بتعزيز التفاهم بين المسيحيين والشرق الأوسط، وقد عُرفت بدعواتها للتطبيع في الشرق الأوسط وبنشاطها في بناء جسور التفاهم العربي-الإسرائيلي.
فقد نشرت عبر منصة منظمة JIMENA الإلكترونية سلسلة تقارير عن اليهود الشرقيين (السفارديم والمزراحي) كجزء من جهود تعزيز التعايش، وكانت صوتًا نشطًا في الدعوة للتعايش والسلام في المنطقة. وهذا التوجه نحو مد جسور مع المجتمعات اليهودية والإسرائيلية ميّز نشاطها العام منذ إقامتها في الولايات المتحدة.
المواقف السياسية العلنية تجاه إسرائيل والتطبيع
عُرفت هديل عويس بمواقف سياسية تدعو إلى إعادة تقييم النظرة العربية التقليدية تجاه إسرائيل، والانفتاح على فكرة التطبيع والسلام المشروط بالعدالة.
في مقالة لها عام 2019 بموقع معهد واشنطن بعنوان “كيف غيرت الحرب السورية المواقف تجاه التقارب العربي-الإسرائيلي”، انتقدت عويس الخطاب العربي السائد الذي يستخدم معاداة إسرائيل والتحشيد ضدها كشعار سياسي.
وادعت عويس أن كراهية إسرائيل لطالما كانت “حجر الزاوية” في الخطاب السياسي العربي بمختلف توجهاته، حيث يجري خلط الديني بالسياسي وتصوير كل ما هو يهودي على أنه عدو، دون تمييز بين سياسات الحكومات الإسرائيلية وعلاقة الشعوب.
وزعمت أن الأنظمة والفصائل العربية استخدمت شعار “المقاومة” بشكل انتقائي لتبرير سياساتها، بينما الإعلام العربي يعكس هذا الخطاب السلبي بشكل يومي.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عبّرت هديل عويس عن أفكار مشابهة بشكل أكثر صراحة في ظل دعوتها لدعم مسيرة التطبيع والزعم أن انتصار الإسرائيليين لم يتحقق فقط بدعم الغرب أو كفاءتهم الذاتية، بل لأن العرب أضعفوا أنفسهم بالانقسامات واقتتال بعضهم البعض.
كما أشادت بـبراغماتية الإسرائيليين في بناء تحالفاتهم على أسس واقعية مقابل ما وصفته بأنه نهج عربي عاطفي وغیبي لدى بعض التيارات التي ما زالت تراهن على شعارات أمة عربية أو إسلامية موحدة في مواجهة إسرائيل.
ويقول مراقبون إن هذه التصريحات العلنية تدل على تبنيها رؤية نقدية للسياسات العربية التقليدية في الصراع مع إسرائيل، ودعوتها إلى التفكير الواقعي الذي قد يفتح الباب لحلول سلمية.
ارتباط بمنظمات داعمة للتعاون مع إسرائيل
ارتبطت هديل عويس بعدة منصات ومؤسسات معنية بالتطبيع العربي-الإسرائيلي، فهي، كما ذُكر، باحثة في مشروع فيلوس Philos Project الذي يُشجع التواصل بين مجتمعات الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل.
كذلك تعمل كرئيسة تحرير لمنصة “جسور نيوز” الإخبارية والتي تتخذ من نيويورك مقرًا لأنشطتها الإعلامية.
وقد كشف تحقيق صحفي نُشر في يوليو 2024 أن منصة جسور نيوز هذه تابعة لمركز اتصالات السلام (Center for Peace Communications) الذي يديره الباحث الأمريكي جوزيف براود بتمويل من لوبيات داعمة لإسرائيل.
وبحسب التحقيق، فإن هديل عويس تشغل منصب مسؤولة الاتصالات باللغة العربية في ذلك المركز إلى جانب عملها الصحفي، وتقود جهود استقطاب صحفيين عرب لإعداد محتوى يخدم أهداف المركز.
ومنذ إطلاق منصة جسور نيوز في نيسان/أبريل 2024، أنتجت عشرات المواد الإعلامية تركز بشكل كبير على الترويج للرواية الإسرائيلية ودعم التطبيع ومناقشة التراث اليهودي في المنطقة العربية، وذلك ضمن استراتيجية إعلامية موجهة للجمهور العربي.
وهذه المعلومات تظهر انخراطها العملي في مشاريع إعلامية تتبنى بوضوح أجندة التطبيع والتقارب مع إسرائيل.
إضافة إلى ذلك، تعاونت عويس مع منظمات ومنافذ إعلامية غربية وإسرائيلية التوجه.
فهي مراسلة لصحيفة الرياض السعودية في واشنطن، ولكنها أيضًا تكتب بشكل منتظم في مواقع ذات توجهات داعمة لإسرائيل.
فعلى سبيل المثال، انضمت ككاتبة إلى موقع All Israel News الموجه للجمهور الإنجيلي المهتم بإسرائيل، حيث نُشر لها عدة تحليلات. كذلك نُشرت لها مقالات في موقع العين الإخبارية الإماراتي تناولت قضايا مثل علاقات تركيا وإسرائيل، وانتقادات للإخوان المسلمين، وغيرها من الموضوعات التي تنسجم مع نهج دول التطبيع التي اختارت الانفتاح على إسرائيل.
وبحسب المراقبين فإن جميع هذه الأنشطة المهنية تشير إلى أن هديل عويس ليست فقط مؤيدة لفكرة التطبيع، بل منخرطة فعليًا في مؤسسات ولوبيات تروج للتعاون العربي-الإسرائيلي.
الظهور الإعلامي المتعلق بإسرائيل
دأبت هديل عويس على الظهور في وسائل الإعلام العربية والدولية للحديث عن العلاقات العربية-الإسرائيلية والتطورات الإقليمية. اللافت أن منابرها لم تقتصر على الإعلام العربي التقليدي، بل امتدت إلى وسائل إعلام إسرائيلية موجهة للعرب.
فقد استضافتها قناة i24NEWS الإسرائيلية (الناطقة بالعربية) مرارًا كمحللة. على سبيل المثال، في برنامج “هذا المساء” على i24NEWS ظهرت عويس خلال عام 2024 و2025 لتناقش قضايا التطبيع.
وفي إحدى الحلقات الحديثة بعنوان “الرأي العام السوري والشعبي جاهز للتطبيع مع إسرائيل”، ناقشت إلى جانب أكاديمي من كلية شاليم الإسرائيلية مدى استعداد الشارع السوري للتغيير في الموقف من إسرائيل.
كما أن تصريحها بأن المجتمع السوري بات مستعدًا لقبول التطبيع يعكس مدى جرأتها في طرح فكرة كانت تعد من المحرمات سياسيًا في سوريا لعقود. كما علّقت عويس في مقابلات أخرى على أحداث الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بلهجة معتدلة؛ ففي إحدى مقابلاتها مع i24NEWS باللغة العربية عام 2023 أشارت إلى وجود “تغيير داخل الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية” في إشارة إلى تنامي أصوات أمريكية متعاطفة مع الفلسطينيين رغم الدعم التقليدي لإسرائيل.
وإلى جانب الإعلام الإسرائيلي، ظهرت هديل عويس في فضائيات عربية لمناقشة موضوعات التطبيع. فهي مقدمة برامج أيضًا على قناة الشرقية، وشاركت في حلقات نقاش حول آفاق العلاقات العربية-الإسرائيلية بعد اتفاقيات السلام الجديدة.
على سبيل المثال، حاورت شخصيات أمريكية معنية بالشرق الأوسط كسفير واشنطن السابق جيمس جيفري حول سياسات إدارة ترامب وبايدن في المنطقة، بما في ذلك مواقفهما من التطبيع العربي مع إسرائيل.
المواقف من اتفاقيات إبراهام للتطبيع
أبدت هديل عويس ترحيبًا ضمنيًا باتفاقيات إبراهام التي وُقعت عام 2020 بين إسرائيل وعدة دول عربية، ورأت فيها تحولًا إيجابيًا يسهم في تغيير الخطاب العدائي القديم.
وفي كتاباتها لاحظت أن هذه الاتفاقيات دفعت بعض الدول العربية لاتخاذ خطوات جريئة في تصحيح الوعي بالتاريخ المشترك. فمثلاً أشادت بمبادرات دولة الإمارات والبحرين والمغرب في إحياء ذكرى الهولوكوست والتوعية بها بعد انضمامها لاتفاقيات السلام، معتبرة ذلك جزءًا من بناء جسور التفاهم مع اليهود.
كما تناولت عويس تأثير اتفاقيات إبراهام على موازين القوى الإقليمية في مقالاتها التحليلية. فقد ذكرت مثلاً أن مملكة البحرين كانت من أوائل الدول التي وقّعت الاتفاق الإبراهيمي مع إسرائيل في سبتمبر 2020، وأن التقارب الخليجي مع إسرائيل يجري ضمن سياق استراتيجية إقليمية لمواجهة التهديدات المشتركة (في إشارة إلى إيران).
وفي تصريحاتها العلنية، لم تبدِ عويس أي معارضة لاتفاقيات إبراهام، بل على العكس تُظهر كتاباتها أنها تعتبرها خطوة في الاتجاه الصحيح نحو شرق أوسط أكثر تعاونًا.
فهي تتعامل مع قضية التطبيع كعملية متدرجة تتطلب تهيئة الرأي العام العربي، وضمان عدم إغفال الحقوق الفلسطينية خلال المضي قدمًا في العلاقات مع إسرائيل.
ومن هذا المنطلق، فهي توازن بين دعمها للتقارب وبين تشديدها على أن السلام الحقيقي يجب أن يخدم شعوب المنطقة كافة بما فيها الفلسطينيين – وهو موقف يتناسق مع توجهات كثير من المثقفين العرب الداعمين للتطبيع المشروط.
والمحصلة عند النظر إلى مسار هديل عويس منذ بداياتها حتى اليوم، يمكن ملاحظة تطور تدريجي في خطابها تجاه إسرائيل ودول التطبيع العربي سعيا لنيل امتيازات شخصية ومالية.





