أعلن صندوق الثروة السيادية النرويجي، الذي يعد الأكبر في العالم وتبلغ قيمته نحو 2 تريليون دولار، عن تصفية استثماراته في 11 شركة إسرائيلية، في خطوة غير مسبوقة تأتي على خلفية الحرب الإسرائيلية في غزة والتدهور الحاد للأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
مراجعة عاجلة وقرارات حاسمة
وجاء القرار بعد مراجعة عاجلة أطلقها الصندوق الأسبوع الماضي، إثر تقارير إعلامية كشفت عن امتلاكه حصة في شركة إسرائيلية لصناعة المحركات النفاثة تقدم خدمات للجيش الإسرائيلي، من بينها صيانة الطائرات المقاتلة.
وقال بيان رسمي إن الصندوق أنهى العقود مع مديري الأصول الخارجيين الذين كانوا يديرون استثماراته في إسرائيل، مضيفًا أن جميع الاستثمارات ستدار داخليًا من الآن فصاعدًا. وأوضح أن بيع الحصص في الشركات الإحدى عشرة تم بالكامل، دون الكشف عن أسمائها، مؤكدًا استمرار مراجعة باقي الشركات الإسرائيلية لإمكانية سحب الاستثمارات منها.
حصر الاستثمارات في نطاق محدود
ووفقًا للبيان، ستقتصر استثمارات الصندوق في إسرائيل مستقبلًا على الشركات المدرجة في مؤشر الأسهم القياسي، مع التأكيد على أنه لن يتم الاستثمار في جميع الشركات الإسرائيلية المدرجة، ما يفتح الباب أمام مزيد من الانسحابات المحتملة خلال الفترة المقبلة.
الوضع الإنساني في غزة محور القرار
نيكولاي تانجن، الرئيس التنفيذي لشركة إدارة استثمارات بنك النرويج (NBIM) التي تدير الصندوق، قال إن القرار اتخذ “استجابة لظروف استثنائية”، مشيرًا إلى أن “الوضع في غزة يمثل أزمة إنسانية خطيرة”. وأضاف: “نحن نستثمر في شركات تعمل في بلد يشهد حربًا، وقد تدهورت الأوضاع في الضفة الغربية وغزة مؤخرًا بشكل كبير”.
تصريح تانجن يعكس اتجاهاً متنامياً لدى بعض الصناديق والمؤسسات المالية العالمية لمراجعة علاقاتها الاستثمارية مع الشركات الإسرائيلية على خلفية الحرب المستمرة وتداعياتها الإنسانية.
خلفية استثمارات الصندوق في إسرائيل
وفق بيانات الصندوق، كان يمتلك في نهاية يونيو/حزيران الماضي حصصًا في 61 شركة إسرائيلية، بعد أن كانت 65 شركة في نهاية 2024، بإجمالي قيمة بلغ نحو 1.95 مليار دولار. وعلى مدار العام الماضي، قام الصندوق ببيع حصصه في شركة طاقة إسرائيلية ومجموعة اتصالات، لأسباب وصفت بأنها أخلاقية. كما تدرس هيئة الرقابة الأخلاقية التابعة له إمكانية سحب الاستثمارات من خمسة بنوك إسرائيلية.
سياق سياسي واقتصادي
الخطوة تأتي رغم أن البرلمان النرويجي كان قد رفض في يونيو/حزيران الماضي اقتراحًا يقضي بسحب جميع استثمارات الصندوق من الشركات العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لكن الحكومة، عبر وزير المالية والرئيس السابق لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، أعربت عن ثقتها في الإدارة الحالية للصندوق، بقيادة تانجن، وأكدت دعمها لعملية المراجعة الجارية.
أكبر صندوق في العالم
يُذكر أن الصندوق النرويجي يمتلك حصصًا في 8700 شركة حول العالم، ويُستخدم كأداة استراتيجية لاستثمار عائدات النفط والغاز النرويجي، مع التزام صارم بمعايير بيئية وأخلاقية. وتاريخيًا، لم يتردد الصندوق في سحب استثماراته من شركات حول العالم في حال تبين تورطها في انتهاكات بيئية أو إنسانية أو مخالفات لحقوق الإنسان.
وتمثل هذه الخطوة رسالة واضحة من أكبر صندوق سيادي في العالم، بأن الأوضاع الإنسانية في غزة والضفة الغربية باتت عاملاً مؤثرًا في قرارات الاستثمار العالمية. وفي حين يواصل الصندوق مراجعاته، يرى مراقبون أن هذا القرار قد يشجع مؤسسات مالية أخرى على إعادة النظر في استثماراتها في إسرائيل، في ظل الضغوط المتزايدة لمواءمة السياسات الاستثمارية مع القيم الأخلاقية والإنسانية.





