بحسب روايات مسؤولين أميركيين وعرب وإسرائيليين تحدّثوا لشبكة NBC الأمريكية، تَشكَّل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة — المعلن “مرحلتُه الأولى” — عبر مزيجٍ من الضغط المباشر والوساطات المتوازية، لعب فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب دورًا محوريًا، تارةً بـ“اليد الثقيلة” وتارةً بـ“التوجيه الهادئ”.
وهدف الاتفاق إنهاء حربٍ استمرّت عامين، عبر حزمةٍ تتضمن هدنةً مؤقتة، وتبادلات للأسرى والرهائن، وترتيباتٍ ميدانية تمهِّد لمسارٍ سياسي وأمني أطول أمدًا.
وقد أشاد ترامب بالاتفاق واصفًا إيّاه بـ“الرائع”، قائلًا إن “الجميع سعيد”، فيما ظلّ يؤكّد لمعاونيه على رمزية الإعلان في محيط 7 أكتوبر، تاريخ هجوم حماس عام 2023، وما يحمله من رسالة داخلية وخارجية على حدّ سواء.
المحطة الأولى: ضربة قطر التي قلبت المزاج
نقطة التحوّل المفصلية جاءت، وفق مصادر مطلعة، مع الغارات الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر، والتي استهدفت قيادات من حماس وأدّت إلى سقوط ستة شهداء بينهم عنصر من الأمن الداخلي القطري.
الصدمة كانت مضاعفة لأن قطر حليف وثيق لواشنطن وتستضيف قاعدة عسكرية أميركية كبيرة، كما أنها وسيطٌ رئيسي بين إسرائيل وحماس منذ بدايات المسار.
هذا التطوّر فاجأ البيت الأبيض وأثار غضبًا عربيًا واسعًا، ودفع ترامب إلى رفع مستوى الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ينقل مسؤول إسرائيلي سابق أنّ تلك اللحظة كانت “حَدًّا فاصلاً” قال فيه ترامب عمليًا: “كفى”. فالمقترح العام كان مطروحًا منذ وقتٍ طويل، لكنّ التسويف المتبادل عطّل بلورته.
وبعد الضربة، لوّح ترامب بقيودٍ على دعم أفكار ضمّ الضفة الغربية المطروحة من أطراف يمينية في حكومة نتنياهو، وأوحى بأنّ هامش المناورة تضيق مساحته.
المحطة الثانية: نيويورك… توحيد الواجهة على هامش الأمم المتحدة
جاءت الجمعية العامة للأمم المتحدة لتمنح المسار دفعةً إضافية. على هامشها، عرض ترامب على قادة عرب ومسلمين إطارًا من 20 نقطة لوقف النار وترتيبات المرحلة التالية.
تشير روايات مشاركين إلى أن الإدارة الأميركية سعت لتقديم جبهة موحّدة ومتفائلة قبل اكتمال التفاصيل، على نحوٍ يضع نتنياهو أمام كلفةٍ سياسية إذا رفض — إذ يُفهم الرفض حينها باعتباره إحراجًا مباشرًا للرئيس الأميركي.
في تلك الأثناء، وبضغطٍ مباشر من ترامب، أجرى نتنياهو اتصالًا برئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني لـتقديم اعتذار عن الضربات على الدوحة، بما يُبقي قطر في موقع الوسيط الأساسي. بالنسبة للوسطاء، كان ذلك شرطًا لاستعادة الثقة وإبقاء القنوات سالكة.
هندسة الحزمة: فصل المراحل وتثبيت المكاسب
عمليًا، اعتمد الفريق الأميركي–العربي مبدأ تجزئة الاتفاق: مرحلة أولى قابلة للتنفيذ الفوري تتضمن وقفًا لإطلاق النار، إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي إلى ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” داخل غزة بما يوسّع مناطق الإدارة الفلسطينية، وتبادلًا إنسانيًا يشمل إعادة ما يصل إلى 20 أسيرا إسرائيليا ورفات 28 آخرين، مقابل إفراجٍ إسرائيلي عن نحو 2,000 أسير فلسطيني.
أما الملفات الأثقل — نزع سلاح حماس، هندسة الحكم في القطاع، الترتيبات الأمنية والاقتصادية — فدُفعت إلى مرحلة ثانية تُتفاوض تفاصيلها تحت مظلة هدنة ممتدّة.
تَطلَّب ذلك إمساك العصا من الوسط: إبقاء ثقة إسرائيل، وتوفير غطاء عربي–إسلامي قادر على التأثير في حماس والبيئة المدنية الفلسطينية، مع ضغطٍ متواصل على الطرفين ضد المماطلة. وبحسب أحد المسؤولين، فإن “أحلك اللحظات” في الساعات الأخيرة سبقت أحيانًا أكبر الاختراقات.
كوشنر وويتكوف: قناة النفاذ إلى الإقليم والرئيس
برز جاريد كوشنر مجددًا كـ“المهندس” مع مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف. استفاد الرجلان من شبكة علاقات اقتصادية–سياسية راكمها كوشنر منذ إدارة ترامب الأولى (حقبة “اتفاقات أبراهام”) لإعادة وصل الخطوط مع العواصم المؤثرة، ولا سيّما القاهرة والدوحة وأنقرة.
تؤكّد مصادر أميركية أنهما حطّا في مصر قبيل الإعلان لتفصيل بنود إعادة الانتشار العسكري، وجدولة التبادل، وآليات المراقبة.
ويُنقل عن فريق التفاوض أنهم بالكاد ناموا خمس ساعات في ثلاثة أيّام، بينما ظلّوا يرفعون تحديثات مباشرة لترامب قبل إعطاء الإشارة النهائية.
ما بعد الإعلان: هدنةٌ قابلة للتمديد وترتيبات دعم
تتوقّع واشنطن، وفق المسؤولين، أن تتّسع المرحلة التالية إلى وقفٍ شبه دائم لإطلاق النار ريثما تُحسم القضايا المؤجلة، لا سيّما إدارة غزة وأمنها الداخلي.
ولضمان التنفيذ، يجري التحضير لخلية تنسيقٍ مدني–عسكري تدعم آليات منع الاحتكاك وإيصال المساعدات، مع حديثٍ عن انتشارٍ محدود لعناصر أميركيين داخل إسرائيل (وليس في غزة) لتأمين الربط مع قوة الاستقرار الدولية المزمع دعمها.
في المقابل، تُحذّر دوائر القرار من دقّة المرحلة: هدنةٌ هشة قد تصمد إذا التزم الأطراف بخطوطهم الحمراء الجديدة — أو تتهاوى إذا عادت لعبة “نعم… ولكن” التي عطّلت المسار طويلًا.





