عقدت لجنة متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة، المكلّفة بالإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 2024 بين إسرائيل وحزب الله، اجتماعها الأول لهذا العام، في وقت تشهد فيه الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً لافتاً واتساعاً في نطاق الضربات الجوية خارج الجنوب الحدودي.
ويأتي الاجتماع بينما يستعد الجيش اللبناني للإعلان عن استكمال المرحلة الأولى من خطته الرامية إلى وضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، وهي خطوة تُعد من أكثر الإجراءات حساسية منذ إقرار وقف إطلاق النار، نظراً لارتباطها مباشرة بملف سلاح حزب الله وتوازنات القوة الداخلية في لبنان.
وللمرة الثالثة منذ إنشاء آلية المراقبة، من المتوقع أن يضم الوفدان اللبناني والإسرائيلي ممثلين مدنيين إلى جانب نظرائهم العسكريين، في محاولة لإضفاء طابع سياسي على النقاشات التقنية المتعلقة بالخروقات الميدانية، والانتشار العسكري، وتفسير بنود الاتفاق.
وبالتزامن مع انعقاد الاجتماع، كثّفت إسرائيل هذا الأسبوع غاراتها الجوية على مناطق متفرقة من لبنان، مستهدفة مواقع قالت إنها تابعة لحزب الله وحركة حماس.
ولاحظ مسؤولون لبنانيون أن الضربات تجاوزت في كثير من الحالات المنطقة الحدودية الجنوبية، التي كانت تشكّل بؤرة العمليات الإسرائيلية منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
وقال مسؤولون لبنانيون إن توقيت هذا التصعيد قبل اجتماع آلية المراقبة لم يكن عشوائياً، بل جاء في إطار ما وصفوه بمحاولة إسرائيلية لزيادة الضغط السياسي والعسكري على بيروت، وفرض شروط جديدة تتجاوز نص وروح الاتفاق.
ونقلت مصادر برلمانية وسياسية لبنانية أن لبنان أبلغ لجنة المراقبة أنه لا يزال ملتزماً بكامل شروط وقف إطلاق النار، بما في ذلك التعاون القائم مع حزب الله في ما يتعلق بالمرحلة الأولى من نزع السلاح، في حين تواصل إسرائيل، بحسب هذه المصادر، انتهاك الاتفاق عبر الضربات الجوية ورفض الانسحاب من مواقع لبنانية لا تزال تحتلها.
وقال مصدر برلماني لبناني إن إسرائيل تسعى إلى “فرض أجنداتها وأولوياتها” على مسار تنفيذ الاتفاق من خلال تكثيف هجماتها الجوية، رغم أن الحكومة اللبنانية تمضي قدماً في خطتها لنشر الجيش وتعزيز سيطرة الدولة على الأرض.
وأضاف: “الحكومة تعمل وفق جدول واضح، لكن إسرائيل تريد إعادة ترتيب الأولويات بالقوة”.
وأوضح المصدر أن الجيش اللبناني أنجز أكثر من 90% من انتشاره جنوب نهر الليطاني، لكنه أشار إلى أن استمرار سيطرة إسرائيل على مرتفعات ومناطق حدودية يمنع التنفيذ الكامل للاتفاق، ويعرقل تثبيت الاستقرار في المنطقة.
وأشار المصدر نفسه إلى أن التصعيد الإسرائيلي منذ وقف إطلاق النار لم ينجح في طمأنة سكان المستوطنات الإسرائيلية الشمالية، موضحاً أن “شريحة كبيرة” من هؤلاء لم تعد بعد إلى منازلها، رغم تكثيف الضربات داخل الأراضي اللبنانية.
ووصف مصدر سياسي لبناني سلوك إسرائيل بأنه “ابتزاز سياسي”، معتبراً أنها تضغط على لبنان وعلى آلية المراقبة نفسها من خلال ربط نجاح وقف إطلاق النار بامتثال بيروت للرؤية الإسرائيلية، في الوقت الذي توسّع فيه ضرباتها وتتنصل من التزاماتها، وعلى رأسها الانسحاب من الأراضي المحتلة.
في المقابل، يزعم مسؤولون إسرائيليون أن حزب الله يحاول إعادة بناء قدراته العسكرية جنوب نهر الليطاني، ويتهمون الجيش اللبناني بالمماطلة في تنفيذ عملية نزع السلاح. غير أن الحكومة اللبنانية وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) نفتا هذه الادعاءات.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون مجدداً أن ما تروّجه إسرائيل حول تقاعس الجيش “لا أساس له من الصحة”، مشدداً على أن أي تأخير في تنفيذ بعض الخطوات يعود إلى الهجمات الإسرائيلية المتكررة واستمرار الاحتلال.
وكانت الحكومة اللبنانية قد اتخذت في أغسطس الماضي قراراً غير مسبوق يقضي بالشروع في نزع سلاح حزب الله، الذي شكّل لسنوات القوة العسكرية الأبرز خارج إطار الدولة، قبل أن تضعف قدراته بشكل كبير خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل.
ومن المقرر أن يقدم قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، تقريره الشهري حول تقدم الخطة في اجتماع مجلس الوزراء يوم الخميس.
ورغم سماحه للجيش بتفكيك بنيته التحتية جنوب نهر الليطاني ضمن المرحلة الأولى، لا يزال حزب الله يرفض أي نقاش أوسع حول سلاحه، مؤكداً أن ذلك مشروط بوقف الغارات الإسرائيلية اليومية وانسحاب إسرائيل من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها داخل الأراضي اللبنانية.
وتتوقع مصادر مطلعة أن تكون المراحل اللاحقة من الخطة أكثر تعقيداً، إذ تشمل المرحلة الثانية وضع جميع الأسلحة جنوب نهر العوالي، شمال الليطاني، تحت سيطرة الدولة. وقد تركزت العديد من الضربات الإسرائيلية هذا الأسبوع في هذه المنطقة، بما في ذلك محيط مدينة صيدا الساحلية.
وفي تطور لافت، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنه سيزور لبنان يوم الخميس برفقة وفد اقتصادي، في وقت تسعى فيه بيروت إلى النأي بنفسها عن طهران.
وكان وزير الخارجية اللبناني يوسف راجي قد رفض الشهر الماضي دعوة لزيارة إيران، مبرراً ذلك بـ“الظروف الراهنة”، ودعا بدلاً من ذلك عراقجي إلى بيروت لإجراء محادثات مباشرة.





