Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أهم الأنباءشؤون عربية

 لماذا يُمثل توسّع الاحتلال الإسرائيلي في سوريا اختبارًا قانونيًا حاسمًا للقانون الدولي؟

14 فبراير، 2026

في الأسابيع التي أعقبت انهيار نظام بشار الأسد، وجد سكان عدد من القرى في جنوب سوريا أنفسهم أمام واقع أمني جديد، مع توغل القوات الإسرائيلية إلى ما وراء خطوط فض الاشتباك في مرتفعات الجولان، وامتداد وجودها العسكري إلى مناطق لم تكن خاضعة سابقًا لسيطرتها المباشرة.

وما بدأ، وفق رواية الجيش الإسرائيلي، كإجراءات “أمنية محدودة”، تحوّل سريعًا إلى وجود عسكري مستدام. فقد انتشرت الدوريات الإسرائيلية على الطرق المؤدية إلى القرى، وأُقيمت نقاط تفتيش، ومواقع عسكرية مؤقتة ودائمة، ما أدى إلى تقييد حركة المدنيين، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، وشلّ أنشطة اقتصادية أساسية يعتمد عليها السكان المحليون.

وبحسب وثائق جمعها المرصد – المركز العربي لحقوق الإنسان في الجولان، فقد احتجزت القوات الإسرائيلية منذ توسيع عملياتها أكثر من 40 مدنيًا سوريًا.

وأفاد المرصد بأن العديد من هؤلاء اعتُقلوا داخل قراهم أو أثناء عملهم في الأراضي الزراعية، ونُقلوا إلى سجون داخل إسرائيل، من دون توجيه تهم رسمية، أو إخضاعهم لمراجعة قضائية، أو تمكينهم من التواصل مع محامين.

وفي عدد من الحالات، لم تُبلَّغ عائلات المعتقلين بمكان وجودهم، وامتنعت السلطات الإسرائيلية عن تقديم أي معلومات أساسية بشأن وضعهم القانوني، ما يثير مخاوف جدية تتعلق بالإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي.

ولم يقتصر التأثير على الاعتقالات. فقد أفاد المرصد بمقتل نحو 30 مدنيًا سوريًا برصاص القوات الإسرائيلية في ظروف مختلفة، شملت إطلاق النار خلال عمليات عسكرية، واستخدام الذخيرة الحية قرب مناطق مأهولة، إضافة إلى وفيات غير مباشرة مرتبطة بالقيود الصارمة على الحركة والوصول إلى الخدمات.

وفي جميع هذه الحالات، لم تُفتح تحقيقات شفافة، ولم تُقدَّم أي آليات مساءلة للعائلات المتضررة.

وتحمل هذه التطورات دلالات قانونية حاسمة، فالمجتمع الدولي لا يزال يعتبر احتلال إسرائيل للجولان السوري غير شرعي، وأي تمدد عسكري خارج خطوط فض الاشتباك لعام 1974 يُعد، من منظور القانون الدولي، توسيعًا للاحتلال ليشمل أراضي سورية إضافية.

وبموجب المادة 42 من لوائح لاهاي لعام 1907، يُعتبر الإقليم محتلًا عندما يخضع “فعليًا لسلطة جيش معادٍ”. ويُقيَّم الاحتلال بناءً على الوقائع على الأرض، لا على التصريحات السياسية.

ويعتمد هذا التقييم عادة على ثلاثة عناصر: وجود قوات أجنبية، وعجز السلطة السيادية المحلية عن ممارسة سيطرة فعالة، وقدرة القوة الأجنبية على فرض سلطتها على الإقليم وسكانه.

ومنذ سقوط النظام السوري، تبدو هذه العناصر متوافرة في جنوب سوريا. فالدولة السورية تمر بمرحلة انتقالية غير قادرة على بسط سلطتها، في حين تُظهر القوات الإسرائيلية سيطرة فعلية من خلال تقييد الحركة، وإجراء الاعتقالات، واستخدام القوة المميتة.

وتحاول إسرائيل توصيف وجودها في جنوب سوريا على أنه “مؤقت” أو “دفاعي”، غير أن القانون الإنساني الدولي لا يعترف بفئة احتلال مؤقت معفاة من الالتزامات. فبمجرد تحقق السيطرة الفعلية، ينطبق قانون الاحتلال كاملًا، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تُصنّف المدنيين في الأراضي المحتلة كـ“أشخاص محميين”.

ورغم ذلك، نفى الجيش الإسرائيلي صراحة انطباق هذا الإطار القانوني. ففي ردّ على طلب معلومات قدّمه المرصد حول النشاط العسكري في المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية، زعم الجيش أن المنطقة لا تخضع للاحتلال، مع إقراره في الوقت نفسه بوجود عسكري دائم ومؤقت فيها.

ويرى خبراء قانونيون أن هذا الموقف يهدف إلى التهرّب من الالتزامات القانونية المترتبة على الاحتلال.

وحيثما يوجد احتلال، تترتب على القوة المحتلة التزامات صارمة، تشمل ضمان النظام العام، وحماية المدنيين، واحترام الملكية الخاصة، ومنع العقاب الجماعي والترهيب.

كما يجب أن يخضع أي احتجاز لضمانات قانونية واضحة، وأن يكون استخدام القوة المميتة محكومًا بمبدأي الضرورة والتناسب.

وإن النمط الموثق من الاعتقالات، والقتل، وفرض القيود الواسعة في جنوب سوريا يثير تساؤلات جدية حول امتثال إسرائيل لهذه الالتزامات. وقد يرقى الاحتجاز دون إجراءات قانونية، ورفض الكشف عن أماكن المعتقلين، إلى انتهاك جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة.

ولا تقتصر العواقب على إسرائيل وحدها. فالقانون الدولي يُلزم الدول الثالثة بعدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن انتهاكات خطيرة، وعدم تقديم الدعم الذي يسهم في استدامتها.

وبالنسبة للسوريين الذين يعيشون هذا الواقع يوميًا، لا يدور الجدل حول نصوص قانونية مجردة، بل حول الأمن، والحرية، والوصول إلى الأرض، والحق في الحماية. ولهذا، فإن ما يجري في جنوب سوريا لا يمثل مجرد تطور ميداني، بل اختبارًا حاسمًا لمدى قدرة القانون الدولي على حماية المدنيين عندما تُنتهك حدوده على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى