في لحظة مفصلية من المفاوضات المعقدة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية بشأن مستقبل غزة وتبادل الأسرى، وجه عشرات المفكرين والفلاسفة الفرنسيين البارزين دعوة علنية غير مسبوقة إلى الحكومة الإسرائيلية والدول الغربية، مطالبين فيها بـالإفراج عن مروان البرغوثي، القائد الفلسطيني المعتقل منذ عام 2002، باعتباره خطوة لا غنى عنها لإحياء أفق السلام العادل وحل الدولتين.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة لوموند الفرنسية، اعتبر الأكاديميون أن “حرية مروان البرغوثي لم تعد مجرد قضية إنسانية أو قانونية، بل باتت ضرورة استراتيجية للخروج من دوامة الصراع، ولمنح الطرف الفلسطيني صوتًا قياديًا موثوقًا يمكنه إعادة بناء الثقة ودفع عجلة الحل السياسي”.
بين مفاوضات غزة و”اليوم التالي”
وجاءت هذه الدعوة تزامنًا مع جولة مفاوضات جديدة تُجرى بشأن ترتيبات ما بعد الحرب في غزة، بما في ذلك تبادل الرهائن الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين، وسط مساعٍ دولية لوضع تصور أولي لـ”اليوم التالي” في القطاع، بعد شهور من القتال والدمار والمجاعة.
ويؤكد الموقعون أن اسم البرغوثي، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني والقيادي البارز في حركة فتح، “يجب أن يكون ضمن أي اتفاق تبادل محتمل، لأنه يشكل بحد ذاته جسرًا بين المقاومة والتسوية، وبين الشرعية الشعبية والرؤية السياسية المستقبلية”.
لماذا مروان البرغوثي؟
وفق المقال، فإن أهمية البرغوثي لا تقتصر على ماضيه النضالي، بل ترتبط مباشرة بـ”قدرته على إعادة توحيد حركة فتح، وتقديم بديل سياسي حقيقي عن الخيارات المتطرفة”، في وقت باتت فيه السلطة الفلسطينية تواجه أزمة شرعية داخلية وتراجعًا في التأييد الشعبي.
ويضيف المفكرون الفرنسيون أن “بقاء البرغوثي خلف القضبان، في هذا التوقيت بالذات، يمثل إضعافًا مقصودًا للصوت الفلسطيني المعتدل، وقد يكون تكريسًا لواقع الاحتلال والضم، لا مسارًا للسلام”.
إسرائيل ورفض التسوية؟
وحذّر المقال من أن بعض التيارات داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية قد تُفضّل استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، التي تتيح لها توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية دون ضغوط سياسية، على أن تنخرط في تسوية تاريخية تفرض عليها تنازلات.
وجاء في النص: “إذا كانت إسرائيل جادة في التزامها بحل الدولتين، فلا بد لها أن تبدأ بخطوة رمزية كبيرة: الإفراج عن رجل يؤمن بهذا الحل ويستطيع تجسيده.”
دور رمزي يتخطى السياسة
وفي وقت تعاني فيه غزة من انهيار إنساني شامل، ويفتقد الفلسطينيون قيادة جامعة قادرة على تمثيلهم بفعالية في أي مفاوضات قادمة، يرى الموقعون أن الإفراج عن البرغوثي قد يُحدث تحولًا عاطفيًا ومعنويًا لدى الشعب الفلسطيني، ويعيد الأمل بإمكانية الحل السلمي.
وأكد البيان أن “حرية مروان البرغوثي لن تعني حرية شخص واحد، بل فتح طريق أمام آلاف الفلسطينيين للانخراط من جديد في مشروع سياسي جامع، بعيدًا عن الإحباط والانقسام والعنف”.
دعوة موجهة للعالم… وللإسرائيليين
واختتم الأكاديميون الفرنسيون ندائهم بالقول: “نوجه دعوتنا إلى كل المؤمنين بالسلام – داخل إسرائيل وخارجها – ليرفعوا أصواتهم الآن. هذه لحظة فارقة لا تحتمل الصمت. لا سلام دون شريك فلسطيني قوي، ولا شريك دون حرية البرغوثي.”
ويحمل البيان توقيعات شخصيات مرموقة من مجالات الفلسفة، والعلوم السياسية، والقانون، والاجتماع، من بينهم أسماء تدرّس في السوربون والمدرسة العليا للدراسات الاجتماعية، في خطوة تؤشر إلى تحول في الخطاب الأوروبي النخبوي تجاه الملف الفلسطيني.
ويبقى السؤال المطروح الآن: هل تلتقط الحكومات الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، هذه الإشارة وتدرج اسم البرغوثي في أولوية مطالبها خلال مفاوضات “اليوم التالي”، أم تستمر في التعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق أمني صرف يتجاهل جذور الصراع واحتياجات السلام الحقيقي؟
ما هو مؤكد أن نداء المفكرين الفرنسيين وضع ملف مروان البرغوثي مجددًا في صلب المعركة السياسية، ليس فقط باعتباره سجينًا، بل باعتباره مفتاحًا محتملاً لمستقبل مختلف في المنطقة.





