كشفت وكالة رويترز، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين ورجلي أعمال فلسطينيين، عن تعاقد شركة مقاولات من غزة لتنفيذ مشروع مجمع سكني كبير بتمويل إماراتي في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، في منطقة تخضع حالياً للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
ويستهدف المشروع إسكان عشرات الآلاف من الفلسطينيين النازحين، في خطوة غير مسبوقة من حيث توقيتها وسياقها السياسي والأمني.
وبحسب المصادر، فإن الخطة تقضي بتكليف شركة فلسطينية يعمل فيها عمال من غزة بتنفيذ المشروع، وهو تفصيل لم يُكشف عنه سابقاً.
وتُعد هذه الخطوة مؤشراً على توجه عملي لبدء إعادة الإعمار دون انتظار انسحاب إسرائيل الكامل من القطاع، وهو ما يُفترض أن يتزامن، وفق التصورات الأميركية، مع مرحلة لاحقة من وقف إطلاق النار.
والمشروع، الذي أطلق عليه بعض الدبلوماسيين اسم “مدينة الإمارات”، لم تُعلن أبوظبي عنه رسمياً حتى الآن.
إلا أن خريطة تخطيطية اطّلعت عليها رويترز تُظهر أن المجمع سيُقام بالقرب من رفح، في أقصى جنوب القطاع، وهي منطقة أخلتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب وتعرضت لدمار واسع.
وحددت المصادر الشركة المنفذة بأنها شركة “مسعود وعلي للمقاولات” (MACC)، وهي شركة مقرها غزة، نفذت على مدى عقود مشاريع بنى تحتية وإسكان في غزة والضفة الغربية.
وأفاد أحد رجال الأعمال الفلسطينيين المطلعين بأن الشركة ستعمل بالشراكة مع شركتين مصريتين لتنفيذ المشروع.
ويمتد المجمع السكني على مساحة تُقدّر بنحو 74 فداناً، وسيضم وحدات سكنية جاهزة متعددة الطوابق، تعتمد على كرافانات مُكدسة عمودياً، بما يسمح بإيواء عشرات الآلاف من السكان في فترة زمنية قصيرة، مقارنة بالبناء التقليدي.
ويعكس هذا الطابع الطارئ للمشروع حجم أزمة السكن التي يواجهها سكان غزة بعد الحرب.
وتأتي إعادة إعمار غزة، بدءاً من رفح، كأحد الأعمدة الرئيسية في الخطة التي يروج لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب.
وتُدار هذه الخطة عبر “مجلس السلام” (Board of Peace)، وهو إطار يضم قادة دوليين يشرفون على هيئة خاصة بغزة، إلى جانب لجنة تكنوقراط فلسطينية يُفترض أن تتولى إدارة القطاع.
وفي هذا السياق، تعهدت الإمارات الأسبوع الماضي بتقديم 1.2 مليار دولار لقطاع غزة خلال مؤتمر عُقد برعاية مجلس السلام. وتُعد أبوظبي من أكبر المانحين منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، إذ قدمت ما يقارب 3 مليارات دولار من المساعدات الإنسانية والإغاثية، وفق تقديرات رويترز.
وأفادت المصادر بأن المشروع السكني يجري تنسيقه مع واشنطن، ومجلس السلام، ولجنة التكنوقراط الفلسطينية، في محاولة لربط الإعمار بالترتيبات السياسية والأمنية المستقبلية في القطاع. غير أن هذه المقاربة تثير أسئلة حول حدود التنسيق مع إسرائيل، التي لا تزال تفرض سيطرتها الميدانية على مساحات واسعة من غزة.
ومنذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر، احتفظت إسرائيل بالسيطرة على نحو 53% من مساحة القطاع، حيث هدمت مباني وأقامت تحصينات عسكرية.
وفي المقابل، يتركز أكثر من مليوني فلسطيني على شريط ساحلي محدود، ويعيش معظمهم في خيام ومساكن مؤقتة.
وترى المحللة السياسية الفلسطينية رهام عودة أن الاعتماد على شركة فلسطينية لتنفيذ المشروع، بدلاً من استقدام عمالة خارجية، سيكون أكثر قبولاً لدى سكان غزة، لأنه يوفر فرص عمل مباشرة، ويراعي الخصوصية الثقافية، ويساهم في تخفيف أزمة السكن وتسريع عملية الإعمار.
ورغم الإعلان عن الخطوط العريضة للمشروع، لم تبدأ الأعمال على الأرض بعد. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم حصول الخطة على موافقة إسرائيلية نهائية.
كما أشار دبلوماسي غربي إلى أن المقاولين الذين كان من المقرر أن يزوروا موقع المشروع في وقت سابق من هذا الشهر لم يتمكنوا من الوصول حتى الآن، ما يعكس استمرار التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بأي خطوة لإعادة إعمار غزة.





