تصاعدت حالة الغضب والاحتقان في الأوساط الصحفية في قطاع غزة عقب ظهور نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين تحسين الأسطل على منصة جسور نيوز المثيرة للجدل، وإشادته بما وصفه بـ“التغطية الإعلامية المهنية” للشبكة في خطوة اعتبرها صحفيون خروجًا فاضحًا عن الخط الوطني وتوفير غطاء سياسي وإعلامي لمنصات موالية للاحتلال الإسرائيلي وأدواته الدعائية.
وأثارت تصريحات الأسطل صدمة واسعة في صفوف الإعلاميين الذين يعملون تحت القصف والحصار، واعتُبرت إهانة مباشرة لتضحيات عشرات الصحفيين الذين استُهدفوا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، في وقت تتهم فيه “جسور نيوز” بلعب دور دعائي يخدم الرواية الإسرائيلية وتلميع عصاباته.
واشتكى صحفيون من أن تحسين الأسطل لم يبادر طوال حرب الإبادة إلى السؤال عنهم وعن أوضاعهم أو حتى التعزية بزملائهم الشهداء والاطمئنان على الجرحى منهم قبل أن يظهر فجأة يشيد بشبكة إعلامية مشبوهة.
في هذا السياق، أصدر تجمع الصحفيين الوطنيين في غزة بيانًا شديد اللهجة دعا فيه إلى محاسبة فورية لتحسين الأسطل، على خلفية ما وصفه بـ“التورط في قضايا فساد، ودعم منصات إعلامية إسرائيلية، وتوفير غطاء لها وتسهيل عملها، فضلًا عن الظهور عبر منصات ناطقة باسم عملاء الاحتلال”.
وطالب التجمع بعزل الأسطل ومنع “تصديره إعلاميًا أو تمثيله للمشهد الصحفي الفلسطيني بأي صفة رسمية أو اعتبارية”، معتبرًا أن استمراره في موقعه ينعكس سلبًا على صورة الجسم الصحفي الفلسطيني، ويضرب مصداقيته في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية الفلسطينية.
كما دعا البيان “القيادة التاريخية لحركة فتح” إلى التدخل الفوري لوقف الأسطل ومساءلته تنظيميًا وأخلاقيًا، بما ينسجم – بحسب البيان – مع الإرث النضالي للحركة وقيمها المؤسسة، وحفاظًا على صورتها ودورها الوطني.
كما طالب التجمع نقيب الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر باتخاذ قرار فوري بفصل الأسطل من النقابة، معتبرًا أن الممارسات المنسوبة إليه تمثل خروجًا صريحًا عن الخط الوطني.
تورط بدعم “عصابات العملاء”
ورأى صحفيون في غزة أن خطورة تصريحات الأسطل تمتد إلى توقيتها وسياقها السياسي، في ظل تحول “جسور نيوز” خلال الحرب على غزة إلى منبر يروّج لروايات مشبوهة، ويوفر غطاءً إعلاميًا لعصابات مسلحة شكّلها الاحتلال داخل القطاع، بهدف نشر الفوضى والاقتتال الداخلي وضرب الجبهة المجتمعية من الداخل.
وأكد صحفيون أن أي إشادة من مسؤول نقابي فلسطيني بمثل هذه المنصات تُعد تطبيعًا إعلاميًا ناعمًا، ورسالة سلبية للصحفيين الميدانيين الذين يواجهون القتل والاستهداف المباشر بسبب تمسكهم بالسردية الفلسطينية.
تعد “جسور نيوز” شبكة إعلامية ممولة إسرائيليًا وإماراتيًا، تعمل على الترويج للرواية الإسرائيلية باللغة العربية، وعلى رأسها الدفع باتجاه التطبيع الإسرائيلي مع الدول العربية والإسلامية. وتتولى رئاسة تحريرها الإعلامية السورية هديل بشار عويس المقيمة في الولايات المتحدة.
وعويس كانت قد شاركت في الحراك السلمي ضد النظام السوري عام 2011، واعتُقلت وهي في الثامنة عشرة من عمرها، قبل أن تغادر سوريا إلى الولايات المتحدة عام 2012 بمساعدة دبلوماسية أمريكية. ومنذ ذلك الحين، انخرطت في العمل الإعلامي والتحليل السياسي، مع تركيز متزايد على قضايا الشرق الأوسط، وبحسب منتقديها، على إعادة تسويق التطبيع الإسرائيلي عربيًا.
وسبق أن كشف تحقيق صحفي نُشر في يوليو/تموز 2024 أن منصة “جسور نيوز” تتبع لـ Center for Peace Communications الذي يديره الباحث الأمريكي جوزيف براود، ويموَّل من لوبيات داعمة لإسرائيل.
ومنذ إطلاق المنصة في أبريل/نيسان 2024، أنتجت عشرات المواد الإعلامية التي ركزت بشكل مكثف على الترويج للتطبيع، ودعم الرواية الإسرائيلية، وتسويق “التراث اليهودي” في المنطقة العربية، ضمن استراتيجية إعلامية موجهة للجمهور العربي.
ويرى صحفيون في غزة أن ما يجري اليوم يتجاوز خلافًا شخصيًا، ليعكس أزمة ثقة عميقة بين القاعدة الصحفية وقيادتها النقابية. فبينما يدفع الصحفيون في غزة ثمن التزامهم المهني والوطني دمًا وحصارًا واستهدافًا، يظهر مسؤول نقابي رفيع – بحسب المنتقدين – على منصة تُتهم بخدمة أجندات الاحتلال، ويمنحها شهادة “مهنية” مجانية.
ويحذر هؤلاء من أن الصمت على هذه القضية سيؤدي إلى تطبيع الانحراف داخل العمل النقابي، ويفتح الباب أمام اختراقات أخطر للمشهد الإعلامي الفلسطيني، في وقت تُعد فيه المعركة على الرواية إحدى أهم ساحات المواجهة مع الاحتلال.






