في مشهد يتكرر كل يوم في غزة، بات الموت يتربص بالمدنيين حتى في أكثر الأماكن بؤسًا: نقاط توزيع المساعدات، الخيام، ومراكز الإغاثة والرعاية الطبية.
فقد أسفرت سلسلة غارات جوية إسرائيلية، عن استشهاد ما لا يقل عن 15 مدنيًا في هجمات متفرقة استهدفت مواقع يُفترض أنها مخصصة لتقديم العون الإنساني، وسط انهيار شبه كامل في الاتصالات وشبكات الإنترنت بفعل قصف مباشر للبنية التحتية الحيوية.
مع كل جولة جديدة من التصعيد، تبدو الحرب الإسرائيلية كأنها تتجاوز “الردع العسكري” أو “استهداف البنية التحتية للمقاومة”، لتضرب أعمق في البنية الاجتماعية والإنسانية للمجتمع الغزّي.
هذه المرة، كانت الضربات مركزة على المراكز التي يرتادها المدنيون للحصول على فتات من الغذاء أو العلاج، بما في ذلك حاجز نتساريم، حيث سقط قتلى وجرحى من طالبي المساعدة وعمال الإغاثة في لحظة واحدة.
ووثقت وزارة الصحة في غزة قتل 245 فلسطينيًا من طالبي المساعدة، وإصابة أكثر من 2150 آخرين منذ بدء ما يُعرف بعملية “المساعدة” التي تنسّقها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ أكثر من أسبوعين. العملية، التي زُعِم أنها تهدف لتسهيل إدخال المساعدات، تحوّلت على أرض الواقع إلى غطاء لمزيد من القتل والقصف.
والهجمات الإسرائيلية استهدفت يوم الجمعة أيضًا أحياءً سكنية في شرق مدينة غزة، بما في ذلك حيي الروضة والتفاح، إلى جانب مسجد في جباليا، ومواقع أخرى في الم جنوب القطاع، والتي يفترض أنها مخصصة للنازحين الفارين من القتال.
البنية التحتية تنهار: لا كهرباء ولا اتصالات
في الوقت ذاته، أعلنت غرفة العمليات التابعة للحكومة في غزة عن انقطاع شامل في خدمات الاتصالات والإنترنت، بعد قصف مباشر لآخر خط ألياف ضوئية رئيسي يربط القطاع بالعالم الخارجي. ووصفت الغرفة هذا التطور بأنه “تصعيد خطير ومنهجي” يهدف إلى “تفكيك الاتصال الداخلي ومنع توثيق الجرائم”.
هذا الانقطاع يأتي في سياق متواصل من الهجمات على قطاع الطاقة والبنية التحتية. فالكهرباء مقطوعة عن معظم أنحاء القطاع منذ أيام، لا سيما في المناطق الشمالية ومدينة غزة، بينما تتوسع رقعة العتمة لتشمل المحافظات الوسطى والجنوبية، ما فاقم من تعقيد عمليات الإنقاذ والإغاثة.
المدنيون بين القصف والمجاعة
تتعرض مناطق متفرقة من القطاع، خصوصًا المناطق المحيطة بالمراكز الطبية ومراكز المساعدات، إلى قصف مستمر منذ فجر الجمعة، ما دفع العديد من العائلات إلى النزوح نحو “المناطق الإنسانية” التي خصصتها إسرائيل.
لكن هذه المناطق لم تكن بمأمن من الهجمات، إذ طالت الغارات أيضًا منطقة المواصي، رغم كونها إحدى النقاط التي تحث إسرائيل المدنيين على التوجه إليها.
وذكرت مصادر محلية أن المدنيين في محيط مجمع ناصر اضطروا للنزوح ليلًا تحت التهديد، وسط انقطاع الاتصالات، دون تأمين ممرات آمنة أو تقديم مساعدات فورية. الأوضاع في الشوارع بدت أقرب إلى الفوضى، في ظل تصاعد القصف وغياب الخدمات الأساسية.
“نحن في قلب حرب شاملة”
في شهادة مؤلمة، قالت فاطمة حسني، وهي من سكان حي ميرداماد شمال طهران (قبل نقلها إلى غزة عبر اللاجئين)، إنها كانت تسمع أصوات الطائرات المسيّرة والانفجارات من شرفة منزلها. وأضافت: “نحن في قلب حرب مفتوحة… لا أحد يقدر على النوم، والدخان يملأ السماء”.
أحد سكان مدينة غزة، ويدعى مراد (اسم مستعار)، شارك مقطع فيديو يظهر تحطم نافذة منزله بعد ضربة إسرائيلية أصابت مبنىً مجاورًا، وأشار إلى أن الهجوم أصاب أطفالًا ومدنيين كانوا داخل منازلهم.
وحتى اللحظة، تشير إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن أكثر من 55,200 فلسطيني استشهدوا وأصيب ما لا يقل عن 127,800 آخرين منذ 7 أكتوبر 2023. وتصف منظمات حقوقية عديدة هذه الحملة بأنها إبادة جماعية ممنهجة.
في ظل كل ذلك، تبدو غزة كما لو أنها تُعاقب جماعيًا، يُقتل سكانها أثناء بحثهم عن رغيف خبز أو جرعة دواء، فيما يتواصل الصمت الدولي، أو يتخفى خلف خطاب “القلق” و”الحق في الدفاع عن النفس”.





