شهد موقع قبر يوسف قرب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا حادًا في الاقتحامات والاعتداءات التي ينفذها المستوطنون تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، في سياق توسع عمليات الجيش والمستوطنين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 تحت غطاء الحرب على غزة.
ويقع الموقع اسميًا تحت السيطرة الإدارية للسلطة الفلسطينية، لكنه كان على مدار السنوات الماضية مسرحًا لغارات عسكرية تتسبب في قتل وجرح فلسطينيين بشكل مستمر.
وتكثفت الاقتحامات خلال العامين الأخيرين، وبلغت ذروتها الأسبوع الماضي عندما شارك عشرون نائبًا أمريكيًا من “الجمعية الوطنية للمشرعين المسيحيين (NACL)” في اقتحام للموقع برفقة قوات الاحتلال، في خطوة اعتبرها الفلسطينيون تمهيدًا لترسيخ السيطرة الإسرائيلية الدائمة على المنطقة.
وخلال الزيارة، قال السيناتور عن ولاية أركنساس جيسون رابيرت، مؤسس الجمعية: “إسرائيل والشعب اليهودي هما الورثة الشرعيون والسيادون على كل هذه المناطق”.
بالنسبة للفلسطينيين، لم تكن هذه الجولة مجرد حدث رمزي أو نشاط ديني، بل جزءًا من تحرك سياسي ــ ديني متصاعد منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
اتجاه واضح نحو “استعادة السيطرة الكاملة”
يرى الصحفي والمحلل الفلسطيني المخضرم نواف العامر أن الوضع في قبر يوسف تغيّر جذريًا منذ بدء الحرب على غزة. وقال “إسرائيل تنفذ عمليات اقتحام واسعة ومجدولة تضم مجموعات كبيرة من المستوطنين والشخصيات الدينية والبرلمانيين المؤثرين”.
ويضيف أن ذلك يعكس خطة واضحة تهدف إلى استعادة السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المنطقة، وإعادة تأسيس الموقع كمدرسة دينية مستقرة ودائمة.
روايات متصارعة حول هوية المكان
يتمتع الموقع بحساسية دينية لدى الفلسطينيين واليهود على حد سواء، إلا أن كل طرف يقدم رواية مغايرة حول هوية المدفون فيه إن يؤكد الفلسطينيون أنه مقام الشيخ يوسف دويكات، رجل دين محلي عاش في مطلع القرن العشرين في بلاطة.
في المقابل يزعم الإسرائيليون أنه قبر النبي يوسف المذكور في التراثين الإسلامي واليهودي، ويستندون إلى هذه الرواية لفرض وجودهم العسكري والديني.
ويقول العامر إن الاحتلال “عمل لعقود على بناء رواية تاريخية مفبركة” لترسيخ الوجود الإسرائيلي، مستخدمًا الرموز الدينية كأداة سياسية.
من مدرسة دينية إلى نقطة اشتباك دائم
منذ ثمانينيات القرن الماضي، أقيمت مدرسة دينية إسرائيلية في المكان تحت حماية الجيش. وكان المستوطنون ينظمون زيارات مكثفة تمر وسط أحياء فلسطينية مكتظة، ما يؤدي إلى مواجهات متكررة استخدمت خلالها القوات الإسرائيلية الذخيرة الحية وقتلت فلسطينيين عزلاً خلال السنوات الماضية.
وفي عام 2000، انسحب الجيش من موقعه الدائم عند القبر، لكنه استمر في تنظيم اقتحامات شهرية للمستوطنين تحت ذريعة “حق زيارة الأماكن الدينية”.
ويقول العامر إن الطقوس التي يؤديها المستوطنون “غالبًا ما تتضمن الرقص والغناء والهتافات”، معتبرًا إياها غطاء لتوسيع الاستيطان في نابلس ومحيطها.
تصعيد خطير منذ أكتوبر 2023
يشير العامر إلى وجود تحركات إسرائيلية لإعادة المدرسة الدينية إلى الموقع، مستغلين توسع الاستيطان وأعمال العنف في الضفة الغربية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتُظهر بيانات الأمم المتحدة حجم هذا التصعيد خلال العامين الأخيرين نزوح 2200 فلسطيني قسرًا بسبب اعتداءات المستوطنين وقيود الوصول وهدم منازل أدى إلى تهجير 6 آلاف فلسطيني إضافيين إلى جانب نزوح 40 ألفًا آخرين من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة خلال الهجمات العسكرية فضلا عن استشهاد 21 فلسطينيًا على يد المستوطنين.
وبينما تتصاعد الاقتحامات، يرى الفلسطينيون في ما يجري محاولة متجددة لفرض واقع استيطاني دائم في قلب واحدة من أكبر مدن الضفة الغربية، تمهيدًا لضمها تدريجيًا تحت غطاء ديني وسياسي متشابك.





