يواصل سكان قطاع غزة البحث بأيديهم العارية بين الأنقاض عن جثامين ذويهم، في مشهد يومي يلخص حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، حيث لا يزال آلاف المفقودين، الذين يُرجّح أنهم شهداء، تحت الركام، في ظل عجز شبه كامل عن انتشالهم بسبب نقص المعدات والقيود المفروضة.
وفي أحد أكثر المشاهد إيلامًا، يقف محمود هيل، البالغ من العمر 40 عامًا، فوق أنقاض مدينة غزة، حاملاً مجرفته، باحثًا عن رفات 24 من أقاربه الذين استشهدوا في القصف.
ومنذ أكثر من عامين، لم يتوقف عن الحفر، رغم إدراكه أن المهمة قد تكون شبه مستحيلة في ظل غياب الآليات الثقيلة.
ويعتمد هيل، كغيره من السكان، على أدوات بدائية أو على جهده البدني، في محاولة لاستخراج جثامين الشهداء من تحت ركام الأبراج السكنية والمنازل المدمرة، بعدما حالت القيود المفروضة دون إدخال المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض.
ولا تمثل قصته حالة استثنائية، بل تعكس واقعًا واسعًا في القطاع، حيث تشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 8000 شخص لا يزالون في عداد المفقودين تحت الأنقاض، وسط مخاوف من أن يكون العدد الحقيقي أعلى بكثير.
ويحذر مسؤولون محليون من أن استمرار بقاء الجثامين تحت الأنقاض لا يحرم العائلات من معرفة مصير ذويها فحسب، بل يشكل أيضًا خطرًا صحيًا متزايدًا، مع تحلل الجثث وانتشار الروائح والحشرات والقوارض.
وفي هذا السياق، وافقت السلطات الإسرائيلية مؤخرًا على إدخال مبيدات للقوارض إلى القطاع، بعد شكاوى من تفشي الجرذان، في حين لا تزال المعدات الأساسية لإزالة الركام غير متوفرة.
وأعلنت الجهات الصحية في غزة أن عدد الشهداء جراء الحرب بلغ 72,740 شهيدًا، مع استمرار سقوط ضحايا نتيجة الغارات المتفرقة، رغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي بوساطة أمريكية.
وأفادت تقارير بأن ثلاثة شهداء سقطوا مؤخرًا، بينهم اثنان في غارة استهدفت مركبة في خان يونس، وثالث في مخيم المغازي، وسط استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تقول إنها تستهدف عناصر مسلحة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود أكثر من 61 مليون طن من الأنقاض في غزة، لم يُزال منها سوى أقل من 1% حتى الآن، ما يعكس حجم الدمار الهائل مقارنة بالإمكانات المتاحة.
ويؤكد مسؤولون في الدفاع المدني أن الآليات المتوفرة قديمة ومهترئة، ولا تستطيع التعامل مع هذا الحجم من الركام، ما يترك آلاف الجثامين مدفونة، ويؤخر أي جهود حقيقية لإعادة الإعمار.
في حي الصفتاوي، يروي أمين أبو ورد، البالغ من العمر 32 عامًا، أنه لم يتمكن من انتشال جثامين 11 فردًا من عائلته، بينهم والديه وإخوته وأطفالهم، الذين استشهدوا في غارة عام 2024.
ويقول: “لم نتمكن من استعادة أي منهم… لا توجد أدوات ولا إمكانيات”، مشيرًا إلى أنه لا يزال ينتظر لحظة دفنهم بشكل لائق.
وفي قصة أخرى، أنفق صهيب أحمد، 29 عامًا، نحو 15 ألف دولار خلال أيام قليلة، مستعينًا بجرافات وعمال للبحث عن شقيقيه المفقودين، لكنه لم يعثر على أي أثر لهما بعد الحفر في عدة مواقع.
وتُعد أزمة الأنقاض واحدة من أبرز العقبات أمام إعادة إعمار القطاع، حيث يؤدي غياب المعدات الثقيلة إلى تعطيل إزالة الركام، وبالتالي تأخير إعادة البناء وعودة الحياة إلى المناطق المدمرة.
ويرى مراقبون أن القيود المفروضة على إدخال المواد والمعدات، تحت ذرائع أمنية، تعمّق الأزمة الإنسانية، وتُبقي السكان في دائرة المعاناة المستمرة.
وفي ظل هذه الظروف، يبقى آلاف الفلسطينيين في غزة عالقين بين فقدان ذويهم وعجزهم عن دفنهم، في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية التي تتجاوز أرقام الضحايا إلى معاناة يومية ممتدة.
ومع بطء جهود إزالة الأنقاض واستمرار التوترات، تبدو عملية التعافي بعيدة المنال، بينما يواصل الأهالي البحث عن شهدائهم، في محاولة أخيرة لاستعادة كرامة الفقد، وسط ركام لم يُرفع بعد.





